شهدت مدينة تعز خلال العام المنصرم تطورات سياسية وعسكرية وأمنية، ومعارك كسر عظم بين النخب التي كانت مرتبطة بتحالفات سرعان ما انفرطت بعد أن تقاطعت مصالحها وتبدلت أجندتها.
لكن الحدث الأبرز والمتغير الرئيس في قواعد اللعبة، الذي ما زال يثير أكثر من علامة استفهام، هو اختفاء التنظيمات المتطرفة من وسط المدينة، عقب انسحاب أفراد جماعة «أبو العباس» السلفية المدعومة إماراتياً، إلى جبهة «الكدحة» غرب تعز، بعد مواجهات مسلحة عنيفة خاضتها مع قوات قيادة «محور تعز»، الموالية لـ«الإصلاح»، في 25 أغسطس العام 2018.
في منتصف سبتمبر العام الماضي، اختفت الجماعات المتطرفة لتنظيمي «القاعدة» و«الدولة» التي كانت منتشرة في معظم الأحياء الشرقية لمدينة تعز، ابتداءً من الجحملية وصالة والكندي وحسنات، مروراً بسوق الصميل وحي الدعوة، وصولاً إلى العسكري، واختفت معها الرايات السوداء ومحلات الزي الجهادي الأفغاني من المدينة بشكل مفاجئ تاركة ورائها عدة تساؤلات: كيف اختفت التنظيمات المتطرفة من وسط مدينة تعز؟، وإلى أين ذهبت؟ وما هو مصيرها؟
الخيط الأول
 يبدو الغوص في خلفيات هذه الأسئلة معقداً وبحاجة لوقت طويل لتنجلي ضبابية المشهد، ولكن بالإمكان محاولة الإجابة على سؤال: هل فعلاً انسحبت التنظيمات المتطرفة من مدينة تعز من غير رجعه؟ أم أنها لا تزال تحتفظ بموطئ قدم في تعز لإشعالها في أي لحظة؟
مصادر عسكرية في القوات الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي بتعز، أوضحت في حديث إلى «العربي»، أن «تأكيد تقرير الفريق الأممي الأخير، التابع للجنة العقوبات الدولية، على وجود جماعات إرهابية مسلحة خارجة عن سيطرة الحكومة (الشرعية) في تعز، تتلقى تمويلاً مباشراً ومساعدات من السعودية والإمارات، وضع القيادات العسكرية والأمنية في المدينة أمام موقف محرج ومخيف في آن واحد».
وكشفت المصادر، أن «هادي أصدر توجيهات صارمة لقيادة محور تعز، باتخاذ الإجراءات اللازمة للتخلص من تلك التنظيمات المتطرفة التي باتت تهدد المدينة، والحكومة الشرعية على السواء».
بين البيضاء وطور الباحة
وأكدت المصادر أن «قيادة المحور، اتخذت التوجيهات ذريعة ليس للتخلص من التنظيمات المتطرفة فقط بل ومن جماعة (أبو العباس) الموالية للإمارات».
ولفتت إلى أن «طول أمد الحرب في اليمن، وتوفر الدعم المادي بالمال والسلاح من قبل بعض دول التحالف، لجماعات مسلحة خارج إطار الدولة وفرت بيئة مناسبة لتوسع التنظيمات المتطرفة في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية».
وفي السياق، أفاد مصدر استخباراتي، في حديث لـ«العربي»، أن «معظم العناصر الإرهابية المسلحة التي كانت تتواجد في عدد من الأحياء وسط مدينة تعز، تحت يافطة قتال الحوثي غادرت تعز، عقب الحملات الأمنية الأخيرة التي نفذتها الأجهزة الأمنية لمداهمة أوكارها».
وكشف المصدر أن «فصيل تنظيم القاعدة (أنصار الشريعة) الذي يقوده أبو عبد الرحمن الشهري (من أصول سعودية) غادر تعز، وبرفقة عدد من قيادات التنظيم، أواخر العام الماضي، نحو محافظة البيضاء، في حين استقر أخرون في مناطق طور الباحة التابعة لمدينة لحج».
خلايا نائمة
وأضاف المصدر الاستخباراتي أن «تنظيم الدولة، الذي يقوده أحمد الأنسي، تمكن من الخروج من وسط المدينة إلى منطقة الشراجة في جبل حبشي».
وأكد المصدر، أن «هناك قيادات عسكرية وأمنية، سهلت عملية مغادرة عناصر التنظيمات المتطرفة من تعز، ووفرت لهم الإمكانيات اللوجستية والمالية والحماية الأمنية».
وأشار إلى أن «هناك عناصر من تنظيم الدولة، لا تزال خلايا نائمة وسط المدينة، يتم رصدها وتعقبها من قبل الأجهزة الأمنية بين الحين والأخر».
وبحسب مصادر أمنية، فإن «فصيل تنظيم الدولة، غادر إلى منطقة الشراجة في مديرية جبل حبشي، باعتبارها معقل قديم لأفراد عناصر التنظيم بقيادة بلال علي الوافي، المصنف على قائمة الإرهاب الأمريكية والخليجية».
وتؤكد المصادر أن «الوافي، والذي يعتبر من القيادات البارزة للتنظيم في اليمن اتخذ من منطقة الشراجة معسكراً لأفراد التنظيم منذ بداية الحرب».
وطبقاً للمصادر، فإن «عناصر التنظيم في منطقة الشراجة تمتلك دار حسبة ومعسكر للتدريب والتأهيل، يديره القيادي الميداني في التنظيم حاتم البركاني».
تصفية حسابات
وتشهد جبهة الكدحة بمديرية جبل حبشي، منذ يومين مواجهات مسلحة بين عناصر التنظيم ومسلحي كتائب «أبو العباس»، السلفية، سقط على إثرها اثنان من أخطر القيادات الميدانية للتنظيم، والمطلوبين أمنياً في تعز.
وفي الوقت تقول فيه كتائب «أبو العباس»، إنها «تنفذ حملة أمنية بوحدات من قوات التدخل السريع للقضاء على العناصر التنظيمية في المنطقة»، فإن قيادات «محور تعز» اعتبرت تحركاتها «مرحلة تصفية حسابات بين الطرفين».
وبين هذا وذاك يشير مراقبون إلى أن عناصر التنظيم، وإن «اختفت» من وسط المدينة بفعل سيطرة القوات الموالية لحزب «الإصلاح»، فإن «نزوح تلك العناصر إلى مناطق غرب تعز لا يزال يشكل خطراً على المدينة، خاصة في ظل تنامي نفوذ عناصر التنظيم وامتلاكهم أسلحة ثقيلة ومصادر تمويل داخلية وخارجية».
(العربي)

التعليقات