مستقبل البشرية برمتها يغدو أكثر قتامة. كل يوم لا يخلو من مستجدات تدفع العالم نحو هاوية لا يبدو أن قادته الفاعلين يدركون عمقها جيداً. أمس الثلاثاء، كان يوماً حافلاً بالأحداث الدولية العاصفة. أحداث لا يبدو أنها من النوع المستخدم لأجل المناورة السياسية وتوجيه رسائل التحذير.
لنبدأ من منطقة الشرق الأوسط؛ البؤرة الأكثر اشتعالاً بالحروب والمجاعات وتفكك الروابط المجتمعية وازدهار العداوات المدمرة. إسرائيل تعلن أنها بدأت مواجهة مفتوحة مع إيران، وعمر البشير يزور قطر في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد نظام حكمه، ومايك بومبيو يتحدث عن حاجة المنطقة لبناء تحالفات تضمن استقرارها.
بغض النظر عما إذا كان تصريح وزير الاستخبارات الاسرائيلي بشأن المواجهة العسكرية المفتوحة، موجّهاً للناخب الإسرائيلي أو لإيران، إلا أن مثل هذا التصريح القتالي تزامن مع عملية عسكرية نفذتها إسرائيل في سوريا. رغم بوادر الانفراج التي لاحت خلال الشهرين الماضيين، للحرب في سوريا، فقد أثار الإعلان المتذبذب للولايات المتحدة عن سحب قواتها، مخاوف كل من تركيا وإيران إسرائيل ونظام الأسد والقوات الكردية على حدّ سواء. أما روسيا التي بدت أكثر هدوءاً بشأن هذا الانسحاب، فمضمار الصراع بينها وبين الولايات المتحدة يأخذ مسارات أكثر تشعباً من صراع القوى الفاعلة في المنطقة فيما بينها. في نهاية المطاف، اعتاد الروس والأمريكان الجلوس إلى طاولة المفاوضات بين وقت وآخر، للتفاوض بشأن قواعد اللعب بين «الأولاد الكبار»، بتعبير هنري كسينجر.
بالطبع لم تعد قواعد لعب «الأولاد الكبار» نفسها التي كانت عليها في ذروة الحرب الباردة، لكن على الأقل لم يتغير المبدأ الأساسي لها: التفاوض الدوري كلما استغلقت فرص اللعب أمام أحدهما أو كليهما. في هذا الصدد، جاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أمس الثلاثاء، في كلمته التي ألقاها عن بعد، للمشاركين في منتدى «دافوس» الاقتصادي. بومبيو بشّر أيضاً بإمكانية إحراز تقدم في مساعي السلام في اليمن، في الوقت الذي كان فيه مارتن جريفيث يهبط في مطار صنعاء. كلمة بومبيو جاءت عقب إنهائه جولة زيارات لدول المنطقة بدأت من القاهرة. هناك أيضاً ألقى كلمة حاول فيها النيل من باراك أوباما، الذي اختار القاهرة ليلقي فيها أول كلمة له كرئيس للولايات المتحدة قبل عشر سنين. بطريقة غير مواربة تحدث بومبيو عن سياسة أوباما بوصفها تجسيداً لـ«عمر الخزي الأمريكي»، وصحح له نظيره الأسبق جون كيري معنى «الخزي» بأنه «إذعان» ترامب لبوتين. في سياق متصل، قال المبعوث الأمريكي السابق «للتحالف الدولي»، بريت ماكغورك، إن انسحاب أمريكا من سوريا، سيضعف الموقف الأمريكي في التفاوض أمام الروس.
لم يسبق أن حدثت مثل هذه التراشقات الحادة والمتكررة بين المسؤولين الأمريكيين بشأن السياسة الدولية، في أي فترة رئاسية كما تحدث الآن في ظل إدارة ترامب. وهناك الاستقالات المفاجئة لمسؤولين رفيعي المستوى، ومن ضمنها بالطبع، استقالة ماكغورك بسبب الانسحاب الأمريكي من سوريا. آخر هذه الاستقالات أُعلنت أمس أيضاً، حيث برر ويس ميتشل، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية استقالته برغبته في قضاء المزيد من الوقت مع عائلته الصغيرة.
 في هذا الثلاثاء المربك، وقع إيمانويل ماكرون وإنجيلا ميراكل، اتفاقية تاريخية بين فرنسا وألمانيا اعتُبرت امتداداً لاتفاقية سابقة بين البلدين في مطلع ستينات القرن الماضي. أكّد الزعيمان عقب التوقيع أن هذه الاتفاقية تشمل توحيد السياسات الخارجية والاقتصادية والدفاعية؛ فكرة الجيش الأوروبي تمضي قدماً ضداً على رغبة واشنطن وموسكو.
في اليوم نفسه، استقبل فلاديمير بوتين في موسكو، رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، لكن بدون توقيع اتفاقيات تاريخية بشأن جزر الكوريل. وفي باريس، استدعت فرنسا سفيرة روما على إثر تصريحات لنائب رئيس حكومة إيطاليا، اتهم فيها فرنسا بعدم الرغبة في استقرار الوضع في ليبيا، وذكر فضل المستعمرات الأفريقية على اقتصاد فرنسا. إذا ما وضعنا الآن هذه الدول في سطر واحد، سيقفز السؤال التالي قبل اكتمال السطر: أين بريطانيا والصين في هذا اليوم التاريخي؟ صحيح. كدنا ننسى أن تيريزا ماي مازالت محشورة في عنق «البريكسيت» فيما يستمر جيريمي كوربين قرعها بمطرقته البرلمانية لإثنائها عن الخروج. بالنسبة للصين، فلديها ذلك «الحزام والطريق» كتعويذة بوذية في وجه الأرواح الشريرة. أما السؤال الذي يخصنا فهو: أين العرب في هذا اليوم الحافل وما شابهه؟ ربما لا نحتاج لإجابة، فهم لم يفرغوا بعد من تدمير بلدانهم وقهر شعوبهم. ويجدر بنا تكرار التذكير بأن العرب والمسلمين جنباً إلى جنب، يؤسسون المنطقة جيداً لاستقبال الموجة الارتدادية للاستعمار القديم.

التعليقات