امتازت اليمن بطابعها المعماري المتنوع منذ زمنٍ بعيد، وما تزال أطلال ذلك التميز باقية حتى الآن، بل إن بعض القلاع والحصون والمدن السكنية الطينية ما تزال شاخصة باقية منذ أزمنة طويلة تقاوم عوامل المناخ والطبيعة التي تهددها يوما بعد يوم، والملاحظ لمعظم المدن والقلاع والأسوار والحصون التي ما تزال باقية، يجد أنها قد بنيت من الطين، كما هو الحال مع مدن زبيد وصنعاء وشبام حضرموت، وغيرها، فهي لم تكن مجرد منازل للسكنى فحسب بل اتخذ منها البناؤون ناطحات سحاب كما هو الحال مع مدينة «شبام حضرموت» التي تعدُّ أولى ناطحات السحاب المبنية من الطين، فضلاً عن طابعها الجمالي والوظيفي المتفرد.
العمارة الطينية في كتاب
هذا كله وغيره تطرق إليه الدكتور سالم عوض رموضة، في كتابه «العمارة الطينية في اليمن، دراسة ميدانية مخبرية» الصادر عن «دار حضرموت للدراسات والنشر»، و«مؤسسة العون للتنمية» بحضرموت، كما يتطرق إلى الحديث عن أنواع العمارة الطينية في اليمن، وخصوصياتها، وقدرتها على مقاومة الزمن، وقد اقتصر في حديثه على العمارة التي تعتمد على تقنية البناء بـ«طوب اللِّبْن» المجفف طبيعيّاً تحت أشعة الشمس، وهي العمارة التي ترسخت مفاهيمها وتحددت أنماطها وتقنياها في مدن وادي حضرموت على وجه الخصوص وفي محافظة حضرموت على وجه عام.
قسَّم رموضة كتابه إلى ستة فصول متوالية، حاول أن يستغرق فيها تفاصيل الدراسات الرائدة في مجال العمارة الطينية، ثم يناقش إمكانية إنشاء مراكز علمية مخصصة في دراسة وترميم العمارات الطينية في اليمن، فضلاً عن تخصيصه فصلين كاملين لدراسة خصائص العمارة الطينية في اليمن عموماً، وحضرموت خصوصاً، ولم يفته الأمر أن يسلط الضوء على الإهمال الكبير الذي تعرضت له العمارة الطينية في الشحر والديس الشرقية وبعض مناطق وادي حضرموت.
وفي حديث له مع «العربي» عن أهمية الكتاب وأهمية ما طرحه يقول رموضة: «ربما تكون أهمية الكتاب في أنه تناول بشيء من التفصيل موضوع العمارة الطينية في اليمن، وبالذات طين اللِّبن وأبرز الخصوصيات المتعلقة به وبالذات في ساحل حضرموت، الذي لم يتناوله الباحثون».
ونوّه رموضة إلى أن الجديد الذي يتميز به كتابه «ربما يكون في الدراسة المختبرية التي تناولت المواد الأساسية الداخلة في تشييد العمران الطيني، وربما تكون كذلك في إفراد بعض الملاحق التي تناولت مصطلحات العمارة الطينية، وإن تداخل بعضها مع عمران منطقة صنعاء حتى يضفي على العنوان مبررات اختياره، والجديد، كذلك حصر الآيات الكريمة كلها في القرآن الكريم التي وردت فيها مفردات الطين ونظائرها».
فرادة
تأتي اليمن من بين أهم الحضارات الإنسانية التي استعملت الطين في تشييد مدنها وأسوارها وقلاعها وحصونها، لكن اليمن يمتاز عنها جميعاً ببنائه ناطحات سحاب منها، وجعلها تتكيف مع الطقس المتنوع في البلد، إذ تكون دافئة وقت البرد، وباردة وقت الحر، كما أنها تميزت بطابعها الجمالي، فهي لم تقتصر على الوظيفة الاجتماعية فقط، بل اتخذت من الطابع الجمالي وسيلة فنية، فهذه المباني تبدو تحفاً بأشكالها الهندسية وطوابعها الجمالية، ويتجلى ذلك في طريقة هندسة نوافذها وأبوابها، وأشكالها التي تبدو في غاية الإتقان. ويؤكد رموضة أن اليمن «تعتبر ضمن الدول الأولى التي استعملت الطين للتشييد، فقد استعمل كذلك في بلاد الرافدين، وفي جنوب مصر، وبلاد النوبة، ولكن مما يميز المباني الطينية في اليمن علوها، فقد وصلت سبعة طوابق في شبام وتتميز بجمال واجهاتها وتفرد نسيجها الوظيفي».
إن العمارة الطينية في اليمن أكثر من مجرد مبانٍ، بل إنها تحفة من تحف العالم؛ لذلك أعلنت «اليونيسكو» معظم المدن الطينية والقلاع والحصون التاريخية المبنية من الطين في اليمن محميات أثرية. وقد جذبت السياح والزوار من أقطار العالم، بل واتخذ منها معظم باحثي العالم عينات للدراسة، وأشادوا بأسرارها ومقدرة مهندسيها وبنائيها الفائقة.

التعليقات