عبر عدة عقود بل قرون، كان توحيد اليمن هدفاً رائساً للعديد من الدول المهمة ابتداءً بالدول «السبئية» و«المعينية» و«الحميرية»، والدولة «الصليحية» و«الأيوبية» ثم «الرسولية»، مروراً بالدولة «القاسمية»، دولة المتوكل على الله إسماعيل، وصولاً إلى وحدة 22 من مايو عام 1990.
تحققت وحدة مايو عبر حوار سلمي وديمقراطي، وتوافق سياسي بين قيادتي الشطرين وحزبي «المؤتمر الشعبي العام»، والحزب «الاشتراكي»، إلا أن هذا التوافق وُوجهِ َ بتحفظ وصل حد المعارضة من قبل الشيخين: عبد الله الأحمر، والزنداني (جماعة الإسلام السياسي) ولم تكن معارضة الدستور «العلماني» المستفتى عليه بعيدة عن التنسيق بين صالح والأحمر، وهو ما تجلى في الاغتيالات السياسية لكوادر «الاشتراكي»، وجلهم من الجنوب، وأيضاً التحضير والاشتراك في حرب 94.
الثورة الشعبية السلمية التي بدأت بـ«هبة حضرموت» 2005، ونزول «الحراك الجنوبي» السلمي إلى شوارع عدن 2007، وانطلاقة ثورة «الربيع العربي» في مدن الشمال: تعز، وصنعاء في فبراير من العام 2011، واجهتها تحديات خطيرة. فقد انقض صقور العسكر والقبيلة على الوحدة السلمية بحرب 94 بزعامة علي عبد الله صالح، وعلي محسن الأحمر القائدين العسكريين ذوي الجذور القبلية، والأخير منهما ينتمي إلى الإسلام السياسي.
تحالف أو اندغام الإسلام السياسي في اليمن مع القبيلة بزعامة شيخ مشايخ حاشد، هو الكيماوي المزوج الحقيقي. فالتطرف الديني، والتسيس للإسلام يتمازج مع العصبية القبلية؛ ليشكل قوة عنف حد الحرب المستدامة، ويصطنع ألواناً من التخوين والتكفير تصل تخوم مصادرة الحق في المواطنة والحياة.
كان الرد الشعبي اليمني على فساد حكم القبيلة والعسكر والإسلام السياسي وحروبها الكارثية هو الاحتجاج المدني السلمي، وثورة «الربيع العربي» التي رفعت شعار «الشعب تريد إسقاط النظام»، وبدلاً من سقوط النظام انهد جدار منه على ساحات الاحتجاج. انشق علي محسن الأحمر الرجل الثاني في الحكم ونصَّبَ نفسه حامياً للساحات، ونصيراً للثورة السلمية، وخرج معه أعداد كبيرة من قيادات السلطة.
وقف «التجمع اليمني للإصلاح» وبعض القيادات من «المؤتمر» إلى جانب محسن، والتقطت السعودية ودول الخليج الخيط لتقديم مبادرة التعاون الخليجي الحريصة على إعادة لُحْمة النظام، واحتواء الثورة السلمية وفرملتها بمنح الحصانة للحكم كله برأسيه: محسن، وصالح؛ «المؤتمر الشعبي»، و«التجمع اليمني للإصلاح». وفي حين تشكلت حكومة وفاق وطني، وانتخب نائب الرئيس عبد ربه منصور كرجل توافق بين صالح ومحسن، وتأسست لجنة الحوار الوطني التي ضمت ألوان الطيف المجتمعي والسياسي، بقيت المواجهات العسكرية في غير منطقة، وبدأت العسكرة والتحشيد في الساحات؛ لجرها إلى المواجهة والعنف، الأسلوب الوحيد الذي يؤمن به النظام ويجيده.
بقي صالح ومحسن القوتين الحقيقيتين والأساسيتين في الحكم، وجرى تهميش الشباب والساحات، واستخدم النظام المتصارع الحوار كنقطة التقاء، وهدنة لجولة صرا ع قادم. يعرف كل طرف أنه لا يمكن الخلاص المطلق من الثورة الشعبية السلمية إلا بحسم الصراع فيما بينهما حول التفرد بالسلطة، ولم تكن السعودية ودول مجلس التعاون بعيدةً عما يعتمل؛ فقد غذت الصراع لإنهاك اليمن وتفكيكه باعتباره مصدر تهديد بالثورة منذ ثورتي سبتمبر 62، وأكتوبر 63، وبالوحدة والديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية 1990، ثم، وهذا هو الأخطر، التهديد بـ«الربيع العربي» في الخاصرة الجنوبية. فقامت المبادرة الملغومة بإعادة إنتاج النظام، ومنحه الحصانة، وإعفائه من المساءلة؛ ليتمكن من احتواء ثورة الشباب.
انقلاب 21 سبتمبر لم يهبط من السماء، أو يصنعه جن سليمان؛ فعلي صالح كان لا يزال في قلب النظام بجيشه وأمنه ومحازبيه وشيوخ القبائل الموالين له، وإدارة حكمه الممتدة في طول اليمن وعرضه، وهو من قاد الانقلاب متدثراً بالإخوة الأعداء «أنصار الله»، ولكل منهما أهدافه الخاصة.
كان الصراع مع علي محسن وعيال الشيخ عبد الله الأحمر والإسلام السياسي، والانقضاض على الثورة الشعبية السلمية، والاحتكام للسلاح وحكم الغلبة والقوة هدف مشترك، وهي البئر الوحيدة التي يمتح منها الجميع.
اشتعلت الحرب، وهي سلاح كل الأطراف الداخلية، فرقاء الحرب الأهلية، داخل الحكم وخارجه، لتجسد «شرعية» وعقيدة الحكم المتوارث في الجوار الإقليمي: الإيراني- الخليجي؛ فعقيدة الجهاد، وغالباً الطلبي منه، هي العقيدة والفريضة الغائبة لألوان الطيف الإسلامي: السني- الشيعي، وما تناسل منهما.
الحرب حجر الزاوية في صراع هذه الأطراف مع بعضها، وفي صراعها مع القوى الشعبية والمعارضة سلمية أو غير سلمية، ولعل مواجهتها مع المعارضة السلمية أو رؤيتها هي الأكثر خطورة والأشد ضرراً.  فالحرب للاستيلاء على السلطة والتفرد تمر عبر دفن الثورة الشعبية السلمية، وطمس إرادة الشعب في بناء كيانه الوطني الاتحادي، وتحقيقه الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي حسب مخرجات الحوار، لكن الخطر الداهم أن تتقزم طموحات أطراف الحرب في كنتونات منفصلة ومتحاربة، وأن تدعم القوى الإقليمية هذه الكنتونات؛ لأن هدفها الأساس تفكيك اليمن، وتمزيق نسيجه المجتمعي؛ ليسهل الاستيلاء عليه.
أصبح التفكيك الملمح الأهم للحرب الإقليمية، وأصبحت الأطراف المعنية أدوات مسخرة لها. تكرس المليشيات المتقاتلة الانقسامات بأبعاد طائفية وقبائلية وسلالية وجهوية، وترتد باليمن إلى مكوناته الأولى. والمحزن أن الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني أصابها الشلل والتشظي، وتوزع بعضها على أطراف الحرب؛ فغاب التأثير والفعل في الحياة السياسية. وإذا كان قادة الحرب الأهلية يتواضع طموح كل منهم لخلق واقع يخصه، فإن القوى الإقليمية تزكي هذا الطموح؛ فهدفها الرائس والأساس تفكيك اليمن وتمزيقه، وإطالة أمد الحرب، ولا غاية لها غير تحقيق هذا الهدف.

التعليقات