تمر علينا هذه الأيام الذكرى العشرون لرحيل إحدى هامات اليمن وحضرموت في علوم التاريخ والأدب والاجتماع، إنه عبد القادر محمد الصبان الذي رحل عن دنيانا في شهر يناير من عام 1999، وهو أحد الأسماء التي كانت حاضرة بقوة في الثقافة المعاصرة التي تشكلت في اليمن الحديث، وكان أحد المؤسسين لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين العظام الذين رحلوا في سلام وشمم، ورحلت خلفهم عزائم الهمم.
ونريد أن نحيي ذكراه بتسليط ضوء بصيص لمشاركاته في النقد الأدبي عبر ثلاثة من أبرز كتبه النقدية، مستعرضين أبرز مضامينها مقدرين أن الإنجاز النقدي للصبان بحاجة لدارس مقتدر، لعله يطلع على مقالنا هذا فينشط ليعطيها حقها من الدرس والتحليل، وذلك عبر كتبه «عبد الصمد باكثير شاعر حضرموت في القرن العاشر»، و«الحركة الأدبية في حضرموت»، و«موازنة بين شاعرين حضرمي ولبناني».
فالكتاب الأول أتى عبارة عن دراسة أدبية ونقدية لشاعر حضرمي كبير عاش بين القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين، وكان الناقد المصري د. شوقي ضيف قد ألم بشعره في حديثه عن أدب حضرموت ضمن أدب الجزيرة العربية في كتابه المعروف «عصر الدول والإمارات»، ووصفه بأنه «من الشعراء الممتازين في الجزيرة العربية لهذا العصر بعامة»، وقد أراد الصبان من اختياره لهذا الشاعر الكشف عن الحالة العامة للحضارمة في ذلك العصر، الذي يراه من عصور حضرموت الذهبية لانضمام معظم أراضيها تحت راية دولة واحدة هي الدولة الكثيرية الأولى، ونبغ خلاله عدد كبير من العلماء والشعراء.
والصبان يرى أن عبد الصمد باكثير خير من يمثل تلك الفترة في شعره، إذ «عاش حياة مزدوجة بين الفقر والغنى، وبين التصوف وحياة الطرب واللهو، ... وأن عبد الصمد خير من يقدم الأحداث ويصفها؛ فلقد عاش الأحداث السياسية وكان شاعر السلطان».
وقد صدر الكتاب عن «المركز اليمني للأبحاث الثقافية بحضرموت»، وزعه مؤلفه على ثمانية فصول أطلق عليها كلمة أقسام، فقسم عن حياة الشاعر ومكوناته الثقافية، وقسم ألقى فيه نظرة عامة على ديوان الشاعر المخطوط وخصائص شعره العامة، ثم ثلاثة أقسام عن أبرز أغراض شعره؛ وهي على التوالي الغزل والخمريات والمديح، ثم قسم لنوع من أشعار عبد الصمد أطلق عليها الصبان اسم (المساجلات)، ثم عاد في القسم الأخير لخصائص الهيكل الشعري لشعر عبد الصمد.
وتراوح منهج الصبان النقدي في هذا الكتاب بين النهج التاريخي في تتبع أطوار حياته عبر شعره، وبين النهج الفني التحليلي بتقصيه النواحي البلاغية في شعر عبد الصمد، سواء منها البيانية أو المعنوية أو البديعية، وقد يلتفت إلى ما يشبه الأسلوبية في رصده لبعض الظواهر اللفظية لدى الشاعر.
لقد استفاد الصبان من ثقافته الواسعة التاريخية واللغوية والنقدية القديمة منها والحديثة، لهذا جاء كتابه بهذا التنوع في الاتجاه النقدي والغزارة في العطاء العلمي، وتناول قضايا عن حياة الشاعر وعصره عبر شعره كانت مثار ردود وتعقيبات كتبها آخرون عنه، مثل عمر محمد باكثير ومحمد عبد القادر بامطرف ومحمد بن صافي.
والكتاب الآخر اشتمل على موازنة بين شاعرين، وهو يعد أحد ثمرات المجالس الأدبية التي يعقدها الشاعر صالح بن علي الحامد كل أسبوع يقصده أدباء حضرموت ومثقفوها، وقد كان الصبان ممن يشهدون هذا المجلس، فألف كتابه هذا عقب مساجلة شعرية بين صاحب المجلس الحامد نفسه وشاعر لبناني كان حاضراً هو محمد علي الحوماني، وذلك في عام 1935م بمدينة سيئون، وكان موضوع قصيدتَي الحامد والحوماني معارضة سينية الشاعر العباسي البحتري الشهيرة التي مطلعها:
«صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جدا كل جبس»
وكان مطلع قصيدة الحامد المعارضة هو:
«خلني ها هنا وحيدًا ونفسي ... لست في حاجة إلى قرب إنسي»
ومطلع نظيره الشاعر اللبناني:
«ربما أنضج التجارب درسي ... لثلاثين من سنيَّ وخمس»
قال الصبان: «كتبت الموازنة بين قصيدتي الحامد والحوماني، وفي الجلسة الثانية تلوت ما كتبته على أساتذتي، وقد كان له صدى ووقع كبير»، وهي تعطي صورة تاريخية عن حال الأدب والثقافة إبان كتابتها في حضرموت، فهي وثيقة مهمة لمجلس من مجالس حضرموت الأدبية وما يدور فيها آنذاك.
لكن الصبان غلب ذائقته في الموازنة فلم يعلل غالب الأحكام النقدية التي فضل بها بعض أبيات قصيدة على الأخرى، بحيث تفوق أحد الشاعرين على نظيره في أبيات بعينها، ورجح الآخر في أبيات أخرى مطلقاً صيحات استحسان أو استهجان، إلا أن ما أشار إليه بذائقته الأدبية المصقولة تلقاها الحاضرون آنذاك بالقبول.
والكتاب الثالث هو «الحركة الأدبية في حضرموت» يتناول حال الأدب العربي هناك في مختلف العصور الأدبية من جاهليها حتى حديثها، وأطلق الصبان على فصول كتابه اسم أقسام، فوزعه إلى ستة أقسام؛ كل قسم يمثل فترة تاريخية يتناول وضعها التاريخي السياسي والاجتماعي بإيجاز، ثم يعرف بأبرز شعرائها مورداً نصوصاً لهم مع طرف من الشرح والتفسير، يصحبه تقويم عام لمراتب الشعراء وأدوارهم في مراحلهم.
ويقف الصبان في كتابه هذا متفرداً في سرد عرض شامل للأدب الحضرمي وشعرائه، بعدما كانت الدراسات السابقة له تكتفي بدراسة شاعر واحد أو الترجمة المفردة لكل شاعر على حدة، وليس هذا العمل بالأمر الهيِّن لما يعتور التاريخ الحضرمي عموماً في مراحله الزمنية من غموض وشحة في المعلومات وفقد للمصادر التاريخية، ومع ذلك استطاع الصبان الاهتداء في سبيله ووطأ الطريق لمزيد من الدراسة والعمق والتفصيل لمن يأتي بعده.
لقد مثلث تلك الثلاثية النقدية طرفاً يسيراً من جهد علمي وثقافي عظيم، لم يكن بالهين على رجل عاش بزمن كثرت تقلباته وتعاقبت منغصاته، لكن تغلب عليها الصبان بما تمتع به من طموح القلب الكبير، ورسوخ العالم القدير.. رحمه الله.

التعليقات