بعد مرور عامين على انتخابه لعضوية مجلس النواب عن حزب «المؤتمر»، في الانتخابات البرلمانية 2003م، قدّم استقالته علناً تحت قبّة البرلمان، كأوّل برلماني يمني يستقيل من عضوية السلطة التشريعية، لقد تعذّر عليه حينها استجواب الحكومة كسلطة تنفيذية، وحينما ترسّخ لديه اليقين بممارسة السلطات الثلاث لما وصفها بالخطيئة السياسية على سرير واحد، آثر إعادة الأمانة إلى أهلها.
البرلماني السابق والدبلوماسي والسياسي اليمني، فيصل أمين ابو راس، عمل سفيراً لليمن لدى لبنان وقبرص، ويشغل حالياً منصب رئيس دائرة أوروبا بوزارة الخارجية في حكومة «الإنقاذ»، ومن قاعدة معرفية تراكمية بأهداف واستراتيجيات الخارج، وفهم عميق لطبيعة صراعات الداخل، يقرأ نجل الثائر النقيب أمين ابو راس، وقائد أول معارضة يمنية ضد التواجد المصري إبان ثورة 26 سبتمبر 1962م، يقرأ أحداث اليوم برؤى ومواقف واضحة لا لبس فيها، رؤية شاملة يضع التدخل العسكري لـ«التحالف» في اليمن، وما يسميه «احتلالاً مكتمل الأركان»، يضعه في سياقه التاريخي، ومن ثم الغوص في المبررات والأهداف والمشروعية والنتائج المتوقعة.
في الحوار التالي لموقع «العربي»، يسمّي فيصل ابو راس الأشياء بمسمياتها -كما يراها هو- «الشرعية»، مجلس النواب، حكومة «الإنقاذ»، «إتفاق السويد»، المبعوث الأممي، أحداث ديسمبر2017م، السعودية والإمارات... بالإضافة إلى غيرها من القضايا والمستجدات على الساحة اليمنية والإقليمية.
قرابة 4 أعوام على التدخل العسكري الخارجي في اليمن لإعادة «الشرعية»... هل باعتقادكم نجح «التحالف» في تحقيق أهدافه المعلنة؟ وكيف قرأتم مبررات هذا التدخل من منظور دبلوماسي، وتشريعي؟
لا أتفق مع من يعتبرون أن ما يتعرض له الشعب اليمني منذ 2015 هو «تدخل عسكري مشروع»، أعتبره غير دقيق يدحضه الواقع على الأرض، وفي حقيقته هو تدخل غير مشروع أخذ طابع الاحتلال وسخر التجويع سلاحاً في الحرب، إلى جانب فرض الحصار، واستخدام كل أدوات الفتك الوحشية من إنشاء للمليشيات الخاصة ودعم قوى الإرهاب والتركيز على الدمار الممنهج عبر الجو والبحر والبر، واللجوء إلى منع وصول المساعدات الإنسانية.

«التحالف» ارتكب جريمة مكتملة الأركان بحق هذا الشعب الأبي الحر


إعلامياً أطلق عليه تسمية «التحالف العربي» لإعادة «الشرعية»؟
 الحديث أن الهدف وراء التدخل هو استعادة «الشرعية» ليس إلاّ مبرراً لارتكاب جريمة مكتملة الأركان بحق هذا الشعب الأبي الحر، وإجباره على الرضوخ والاستسلام وتحقيق حالة استتباع كامل من خلال مفاقمة معاناة الشعب ومراكمة مآسيه، وهذا ما شاهدناه طيلة أربعة أعوام، والآثار واضحة ومفاعيلها على مرأى ومسمع العالم، وقد بدأ ضميره يصحو من هول ما أرتكب من جرائم مروعة لا تخطئها العين.
وهل تحقق الهدف المعلن لهذا «التحالف»؟
أعود وأؤكد على أن الهدف الذي أعلنه تحالف العدوان كما هو لن يتحقق، وتعلم هذا دول العدوان، وان لا حل إلا بالعودة الى مرحلة الحوار التي سبقت هذا الاستهداف الهستيري المدمر، حينما كان الجميع يتفاوضون قبل العدوان على طاولة الحوار من أجل التوصل الى تسوية سياسية منصفة، تؤسس لبناء دولة يشارك فيها الجميع والكلمة الفصل تكون للشعب.
كيف يمكن قراءة هذا التدخل العسكري / الإحتلال في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة؟
التدخل العسكري ليس إلا احتلالاً مكتمل الاركان وواضح، على الأرض لا يمكن فصله عن ما هو معد و يحدث من تطورات تشهدها المنطقة، وأتحدث عن مشروع أمريكي بريطاني إسرائيلي تنفذه السعودية والإمارات لإعادة تشكيل المنطقة العربية، وينطلق المشروع من الجزيرة العربية تحديداً على أسس وقواعد وتفاهمات جديدة، ويشكل اليمن تحدياً أمام السعودية ومعرقلاً سيسعى لإحباط إمكانية تمكين الرياض من قيادة الجزيرة، وأخذها في اتجاه التطبيع الكامل والالتقاء المصيري الى حد الالتحام والتعاون الاستراتيجي مع إسرائيل، بالطبع التاريخ والثقافة العربية والإسلامية سيشكل تحدياً، وللقفز فوقه أعدت السعودية سيناريو العدوان، والهدف من ورائه تقسيم اليمن إلى دويلات تدور في فلك السعودي الإماراتي، حتى تتفرغ لنسج العلاقات مع إسرائيل.
ولكن ما مصلحة السعودية في تقسيم اليمن، أليس في ذلك ضرراً عليها؟
ما كنا نقرأه ونسمعه من آبائنا وهم عن أجدادهم، ويحذرون منه أصبحنا فيه اليوم، وهو أن النظام السعودي نظام وظيفي أنشأه الغرب لخدمة الغرب كمحتضن وداعم لدولة إسرائيل، وأصبح هذا جلي وصرّح به الرئيس الأمريكي مؤخراً كمؤشر لخروج تلك العلاقة من الخفاء إلى العلن، بعد تدمير العراق وسوريا وليبيا واستتباع مصر، ومشروع تقسيم اليمن إلى دويلات تتحكم فيها السعودية والإمارات بتعاون وشراكة مع إسرائيل و الغرب.

                                          

دول «التحالف» بقيادة السعودية تقول إنها تحارب إيران في اليمن؟
كما سبق وأشرت الحديث عن إعادة «الشرعية» والتدخل الإيراني مبررات والواقع على الأرض ينفيها، فلطالما كان التحكم باليمن هدفاً استراتيجياً لدى آل سعود، واستقصدوا إبقائه كما قالت السفيرة الأمريكية السابقة باربرا بودين «بين الحياة والموت وإلى الموت أقرب»، وكان هذا هو حال اليمن من بعد توقيع اتفاقية المصالحة والسلام عام 1970 (باستثناء فترة الحمدي والملك فيصل رحمهما الله وتم اغتيالهما كونهما شكلا تحدياً للمشروع الصهيو- امريكي حينها)، فبقاء اليمن كما نعرفه مرهون بوجود سلطة لا تخرج عن طوع وتوجيهات المملكة، وتبقي سياسة اليمن الداخلية وعلاقاته الإقليمية والدولية منسجمة مع رغباتها بالدرجة الأولى .
إرهاصات عديدة وقضايا متداخلة سبقت التدخل السعودي المباشر في اليمن مارس 2015م، كيف يمكن قراءتها؟
الأدوات التي استثمرت فيها السعودية واعتمدت عليها ما لبثت ان دخلت في دوامة من الصراع على السلطة، تحول إلى خصومة أوصل إلى إقصاء فريق عبر مبادرة سعودية سميت خليجية، وتسوية عبر شرعية توافقية لم يطل توافقها وأطيح بها بعد انقضاء فترة التوافق الذي كان قائماً، وبالتي فقدت صلاحية مشروعيتها ولم تتمكن من الصمود في مواجهة القوى المناوئة، ورحلت للاحتماء والاستقواء بالرياض، وهنا لم يعد أمام السعودية إلا أن تعد نفسها لتدخل مباشر، سبقه استدراج جاء في شكل تسهيل والسماح بتوفير مسببات لقيام انتفاضة داخلية توصل إلى مربع الحرب بتواطؤ من هادي وحكومته، وهكذا تمدد المواجهون لحلفاء المملكة على معظم الجغرافيا واختلقت المبررات الكافية لتغطية شن الحرب.
من جهة أخرى، وفَّر شن العدوان غطاءً مهماً مكَّن محمد بن سلمان كوزير للدفاع من جمع المؤسسات المالية والاقتصادية والسياسية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقوات المختلفة في قبضته مباشرة، وتحت إمرته بداعي الحرب، ما مكنه من تقليص نفوذ الامراء المعارضين والطامحين للعرش وإقصاء منافسيه، وهذا من شأنه تسهيل وصوله الى سدة العرش إذا تمكن من القفز فوق حادثة مقتل (الصحافي السعودي جمال) خاشقجي.
3 سنوات مرت وما تزال «الشرعية» تقول إنها تسيطر على 85% من الأراضي اليمنية، وما تزال مقيمة خارج اليمن..! فلمن باعتقادكم «الشرعية» اليوم ؟
الواقع المشاهد والمعاش يقول إن السعودية والإمارات لن تسمحا أن يكون هناك دولة في اليمن، لأن دعم وجود دولة من شأنه ان يحول من دون حصول التشظي المجتمعي والسياسي المراد للبلد والمأمول، والذي شن العدوان لأجله وتم إطالة مدى الحرب واستغلت الأربع السنوات الماضية لتفخيخ التماسك المجتمعي بغية نسفه من أساساته وتلغيمه من الداخل، وإحياء الخلافات وإثارة النعرات واستحضار الثارات وإشعال نيران العصبية المناطقية والمذهبية والقبلية، حتى لا يعود هناك يمن كما يعرفه الجميع بسكانه الذي يفوق الـ 30 مليون نسمة، ومساحته التي تتجاوز الـ 500 ألف كيلومتر مربع.
بمعنى ما لم يبق اليمن في طوع الجوار لا يجب ان يكون هناك يمن، بعد الحرب ينتقل اليمنيون بعدها تحت القصف الى مشروع الأقاليم، تتحول بعدها الى دويلات وما يحصل على الارض من سطوة للسعودية والإمارات وهيمنة وتحكم ومليشيات خاضعة لهما، والسيطرة الكاملة على الموانئ والجزر والمنافذ والمطارات والموارد ومصادر الثروات وتهميش اي دور لهادي وحكومته، كله يشير إلى أن المتحكم والمتنفذ هو السعودي والإماراتي بدعم أمريكي بريطاني إسرائيلي، والشرعية في قبضة التحالف وطوعه وحبيسة الفنادق، ورداً على سؤالك: لا شرعية إلا لمن يتصدى للعدوان، وقد بدأ إلى جانب صنعاء في المهرة وشبوه وسقطرى وعدن وسيمتد.
ولكن مشروع الأقاليم يعد إحدى مخرجات «مؤتمر الحوار الوطني»؟
 دعني أشير إلى أنني مع الأقاليم حين يكون الأمر بيد اليمنيين وليس بيد عمرو السعودي وزيد الاماراتي، وفي ظل حكومة مركزية قوية منتخبة وجيش وطني قوي متماسك ومدرب ومجهز، ومجتمع متماسك، ولكن ما تم الشغل عليه وخطط له هو ألا يكون هذا وارداً، حتى يتشظى البلد تحت قسوة الحصار وسياسة التجويع، وتتصارع الأقاليم على الحدود والمياه والثروات، وتتحول تدريجياً عن قصد ومؤامرة إلى دويلات.

التعليقات