«لقد استفدت من إمكانات الحرية المتاحة في مدرسة الفن الحديث؛ فأهتم بالتفصيلات وأستنطق الطاقات الكامنة في الإمكانات والخامات في تعاملي مع مكونات المنظر، بما يعطيني في النهاية لوحة أسمع إيقاعها في روحي قبل رؤية بريق سطوحها»، بهذه الكلمات احتفى رائد الفن التشكيلي في اليمن الراحل عبدالجبار نعمان، بمعرضه «سماء من البنفسج» الذي أقامه في صنعاء العام 2004.
ومع رحيله في صنعاء السبت الماضي، بعد صراعٍ مريرٍ مع المرض، تبدو اللوحات الفنية والصور المنشورة على الانترنت والمتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، الشاهد الأبرز على أعمال فنان تشيكلي عظيم، كعبدالجبار نعمان، والذي جسد معالم اليمن وإنسانها في لوحات فنية تسحر الناظرين.
ولد عبدالجبار أحمد عبدالوهاب نعمان، في العام 1949، في منطقة ذبحان التابعة لمديرية الشمايتين، بمحافظة تعز، وفيها بدأ تعليمه للمرحلة الابتدائية، ثم انتقل إلى عدن لإكمال تعليمه، وفيها أيضاً، بدأ حياته المهنية مدرساً في «كلية بلقيس»، التي تأسست مطلع ستينيات القرن الماضي، على أيدي عدد من أبرز رموز الحركة الوطنية وعلى رأسهم الأستاذ أحمد نعمان.
جمال عبدالناصر
بدأ بروز عبدالجبار نعمان كفنان حين بدأ يمارس الفن التشكيلي كهواية، فقد كان من خلال أول معرض تشكيلي نظمه في صنعاء، وافتتحه الرئيس الأسبق عبدالله السلال، في العام 1964، وكان ضمن المعرض لوحة للزعيم الراحل جمال عبدالناصر، والذي أُبهر بريشة نعمان، وكان السبب بانتقاله إلى مرحلة جديدة من مسيرته الفنية.
يقول وزير الثقافة الأسبق، خالد الرويشان، إن عبد الجبار نعمان «كان مجرد فتىً، عندما طُلب لمقابلة جمال عبد الناصر في صنعاء»، ويضيف «لم يصدّق الفتى عينيه وهو يصافح جمال عبدالناصر، الذي كان يتأمل بإعجاب لوحةً رَسَمَتها أنامل الفتى الصغير»، قبل أن يصدر أوامره إلى أمين عام الرئاسة المصرية، الذي كان إلى جانبه، بترتيب سفر نعمان إلى مصر لدراسة الفنون الجميلة.



يتابع الرويشان في مقالة نشرها على صفحته في «فايسبوك» في العام 2017 تحت عنوان «الفتى الذي سحر عبدالناصر»، أنه «في مطار القاهرة تم استقبال الفتى الصغير كوزير مبجل؛ فقد كان في استضافة أمانة رئاسة الجمهورية! والمفاجأة كانت أن يستقبله عبد الناصر في منزله في صباح اليوم التالي، ثم كانت المفاجأة صاعقة حين دخل صالون المنزل، فقد كانت لوحته البسيطة التي رسمها لعبد الناصر وأهداه إياها في صنعاء تتوسط صالون بيت جمال عبدالناصر في القاهرة».
ويواصل أنه «بعد سنة أي في 1965 وهو في السنة الثانية... تم تنظيم أول معرض للفتى الفنان، والمفاجأة أن المعرض برعاية جمال عبد الناصر، والذي أرسل وزير الإعلام محمد فايق ليفتتح معرض الفتى الصغير نيابةً عنه»! التحق نعمان بمعهد الفنون الإيطالية في القاهرة، وحصل على درجة البكالوريوس بامتياز مع مرتبة الشرف في العام 1973، وعلى مدى مسيرته الفنية، رسم معالم اليمن التاريخية والثقافية وإنسانها، ونظم المعارض في أغلب الدول العربية وفي روسيا، بلغاريا، ألمانيا، وبريطانيا. ومن أهم أعماله لوحة جدارية اقتنتها الأمم المتحدة عن «الحرب والسلام»، كما تنتشر لوحاته في جدرايات العديد من الجهات الرسمية في اليمن.
من الواقعية إلى التعبيرية
في تصريحات سابقة نقلتها صحف محلية، يشير عبدالجبار نعمان إلى تطور إسهاماته الفنية، ويقول إنه «مثل أي فنان يمني بدأت واقعياً، لكني سرعان ما تجاوزتها إلى الواقعية الرومانسية، وصولاً إلى التعبيرية»، ويضيف «لعل التعبيرية التي عشتها في عقد التسعينيات من القرن الفائت، قد مثلت منعطفاً هاماً في تجربتي؛ انطلقت منها من المدرسة الكلاسيكية في الفن إلى رحاب المدرسة الحديث، و في فضاءات الفن الحديث تحررت من قيم الفن التقليدية، ممتلكاً حرية في التعامل مع الأدوات، وجرأة في توظيف اللون، بما عزز خصوصية اللوحة».
«سماء من البنفسج»
يعد المعرض الذي أقامه عبدالجبار نعمان، في العام 2004 تحت عنوان «سماء من البنفسج»، من أشهر الأعمال التي توجهت إليها الأنظار، باعتباره جاء بعد انقطاع سنوات، ووظف خلاله نعمان مختلف خبراته، وقال بالتزامن مع تنظيم المعرض إنه استفاد كثيراً «من إمكانات الحرية المتاحة في مدرسة الفن الحديث، فأهتم بكل التفصيلات وأستنطق كافة الطاقات الكامنة في كل الإمكانات والخامات في تعاملي مع كل مكونات المنظر، بما يعطيني في النهاية لوحة اسمع إيقاعها في روحي قبل رؤية بريق سطوحها».
 «بنات القمر»
في العام 2016، شهدت صنعاء افتتاح المعرض التشكيلي الأربعين لعبدالجبار نعمان، تحت عنوان «بنات القمر»، والذي ضم مجموعة من أعماله الفنية قدم من خلالها الفنان رؤيته الفنية تجاه المرأة وحضورها في المجتمع، وكان المعرض هو الأول بعد آخر معرض أقامه في صنعاء في العام 2006.
يقول الفنان التشكيلي شهاب المقرمي، في تصريح خاص لـ«العربي»، إن «الفنان الكبير عبدالجبار نعمان، هو أول الخريجين في الفنون الجميلة في اليمن وأحد كبار الزواد وأعلام البلد... وكان له دور كبير في نشر الفن التشكيلي في اليمن، وكان يهتم كثيرا بالنشء وتشجيعهم».
وأضاف: «اقتنت الأمم المتحدة بعض أعماله الجدارية اعترافاً بفنه وتميزه... وحين رحل لم يجد من يهتم به، فالكل مشغولون بالحروب والفساد.. رحمة الله عليه».


المعاناة مع المرض
منذ سنوات غير قليلة، عانى عبدالجبار نعمان، من مرض عضال، وهو ما يمثل الفصل المؤلم في حياته، إذ تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مطلع 2016، أنباء عن سعيه لعرض أعماله للبيع لتوفير قيمة علاجه، قبل أن يتم تداول أنباءً لاحقاً، عن توجيهات من «رئيس اللجنة الثورية العليا» محمد علي الحوثي، بعلاجه «على نفقة الدولة ».
وكتب السفير الأسبق مصطفى النعمان، تعليقاً على خبر وفاته بتغريدة على صفحته بموقع «تويتر» يقول: «مات أخي وصديقي الفنان عبدالجبار، بعد أن أهمله الجميع في حياته وتخلى عنه الأقارب والأصدقاء، ولم تلتفت إليه الحكومة لأنها منشغلة بحماية فسادها. وزارة ثقافة لا تعلم ولا تعمل لا نتوقع منها أي فعل إيجابي للمبدعين! الآن يسرع الجميع لتأبين عبدالجبار، والحديث عن إبداعه وفنه».   

التعليقات