رأى «المجلس الأوروبي للعلاقات الخاجية» (مؤسسة بحثية) أن العملية السياسية التي تهدف إلى إنهاء الحرب في اليمن «لازالت بعيدة المنال».
وأضاف «المجلس الأوروبي»، في تقرير له، أنه «على الرغم من أن اتفاقية استكهولم التي تم التفاوض عليها مؤخراً تمثل نجاحاً هائلاً، وإن كانت هشاة بالنسبة للجهود الدبلوماسية الدولية، فأنها تعتبر مجرد جزءً واحداً فقط، في مجموعة من ديناميكيات الصراع، حيث أنه وبعد أكثر من خمسة أسابيع على ذلك الاتفاق، ما زال يتعين على الأطراف تنفيذ ذلك الاتفاق بشكل جوهري، في حين أن مدينة مثل عدن، التي تعتبر مقراً للحكومة المعترف بها دولية، مازالت تعيس توتراً مستمراُ بين الفصائل السياسية المتنافسة، وقلقاً من بطء الحكومة في استعادة الخدمات العامة».
أهمية تنفيذ اتفاق التهدئة
وأكد «المجلس الأوروبي» في المقابل على أن «الصفقة لم تنهار بعد، حيث يؤكد الجانبان إنهما حريصان على الحفاظ عليها»، مبيناً أن «الخلافات القائمة بينهما، تدور حول عملية التنفيذ، وذلك بعد الغموض الذي أحاط ببعض بنود ذلك الاتفاق، ما أدى، كما هو متوقع، إلى زيادة الاختلافات في التفسير».
كما أكد «المجلس الأوروبي»  أن المناقشات المخطط لها أن تعقد خلال الفترة القادمة «لن تتم إلا إذا تم أولاً تنفيذ اتفاقية التهدئة التي تدعو لاستبدال قوات الحوثي في ميناء ومدينة الحديدة بقوات محلية، وكذا تنفيذ آلية المراقبة الأممية»، مشدداً في الوقت نفسه على أهمية أن «تستمر الجهات الفاعلة الدولية في حث المقاتلين على تنفيذ الاتفاق، والضغط عليهم من خلال الإدانة العلنية، لأي انتهاكات قد يرتكبها أي من الطرفين».
وأكمل «المجلس الأوروبي» في ذلك الخصوص: «ستكون المنظمات مثل اللجنة المشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار، مهمة في حل الصراع، كما سيكون البناء على مصداقية هذه المنظمات أمراً أساسياً للعملية السياسية، ولا سيما بالنظر إلى أن مختلف الجهات اليمنية أعربت صراحة عن شكوكها بشأن قدرة الأطراف على التصرف بحسن نية».
عناصر السلام المستدام
ولفت «المجلس الأوروبي» إلى أنه ومع كل ذلك، فإن اتفاقية استكهولم «هي تدبير مؤقت، وهناك تحديات هائلة في تحويلها إلى ترتيب مستدام»، مؤكداً أنه «وعلى الرغم من أن بنود الاتفاق يمكن أن تؤدي إلى تهدئة سريعة للصراع وتخفف من حدة المعاناة الإنسانية، فأنها لن تكون كافية بحد ذاتها على المدى الطويل».
وأوضح أن اتفاق السلام الدائم «سيكون له عدة عناصر، يأتي في مقدمتها أن يتجاوز، رواية الحوثيين مقابل هادي، وأن يتوجه نحو ضم ممثلين من الفصائل السياسية العديدة في اليمن، وأن يتفادى إعادة بناء بسيطة للهياكل الحكومية التقليدية والمركزية، وعلاوة على ذلك، يجب أن يصل إلى القادة المحليين في المناطق المهمشة تاريخيا».
ولكنه أكد في المقابل على أنه «وفي الوقت الحالي، لا يملك مبعوث الأمم المتحدة، مارتن غريفيث وفريقه، خياراً سوى الحفاظ على التوازن الدقيق القائم، حيث أن أي محاولة لإشراك المزيد من الأطراف في العملية السياسية، قد تمثل مخاطرة بإغضاب الأطراف الموجودة بالفعل على الطاولة».
وذهب المجلس إلى القول: «يمكن ملاحظة ذلك في الجدل الذي أعقب جهود غريفيث المبدئية لجذب الهيئات الداعية للإنفصال الشامل، كالمجلس الانتقالي الجنوبي إلى هذه العملية، حيث أن الجنوبيين هم واحد فقط من العديد من الفصائل والمجموعات الاجتماعية المستبعدة حاليا من المحادثات».
تحديات إضافية
وبعيداً عن الجوانب السياسية، أكد «المجلس الأوروبي» على أن عملية إعادة الإعمار «تشكّل تحديا كبيرا آخراً لتحقيق السلام المستدام، وذلك بعد أن تعرضت معظم البنية التحتية للدمار، بالرغم من أنها كانت في الأساس غير متطورة قبل أن يبدأ الصراع، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى مساعدات إنسانية واستثمارات طويلة الأجل، باعتبارها أسوأ أزمة إنسانية في العالم».
واعتبر «المجلس الأوروبي» أن «تحسين جهود المعونة والتنمية المرتبطة بالعملية السياسية، يمكن أن يوفر الأساس لفتح قنوات لتعزيز التعاون مع الشركاء المحليين والإقليميين الرئيسيين، وبالتالي البناء على اتفاقية استكهولم، وذلك أن تسبب ضعف الاقتصاد اليمني في فشل انتقال السلطة الذي بدأ بعد الانتفاضات العربية العام 2011».
وختم «المجلس الأوروبي» تقريره مؤكداً على أن «اتفاق السويد، وإن كان عابراً، فقد مثّل فرصة محورية للتخلص من التصعيد والعودة إلى المسار السياسي»، مشدداً على صنّاع السياسة في أوروبا وخارجها بذل كل ما في وسعهم للاستفادة منه».
توصيات لما بعد الحرب
كشف «معهد الخليج العربي» في واشنطن عن توصيات المنتدى السنوي الثالث الذي نظمه المعهد في الثلث الأخير من شهر ديسمبر الماضي في العاصمة الإماراتية أبوظبي تحت عنوان «اليمن بعد الحرب: مواجهة تحديات السلام وإعادة الإعمار»، وضم مجموعة متنوعة من صانعي السياسة، العلماء والممارسين لتقديم توصيات حول أفضل السبل لضمان استدامة اليمن اقتصادياً وسياسياً.
ولفت المعهد إلى أن «الإنجاز الأخير في السويد في المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة بين الأطراف المتحاربة، قد أعاد الأمل في التوصل إلى تسوية سياسية بين ممثلي الحكومة اليمنية وأنصار الله، في المستقبل القريب».
وأكد أنه «من غير المحتمل التوصل إلى سلام دون بعض الانتكاسات، لذلك يجب توقع استمرار بعض درجات الصراع»، مشدداً على أنه «ليس من السابق لأوانه معالجة بعض القضايا الملحة المتعلقة بفترة ما بعد الحرب في اليمن، وذلك بعد أن أظهرت التجارب والخبرات الماضية، في اليمن ودول أخرى في مرحلة مابعد الصراع، أهمية ذلك الأمر للتعامل مع جهود تحقيق الاستقرار لمنع عودة العنف».
وأشار المعهد إلى أن المتحدثين والمناقشين في المنتدى، أكدوا على «ضرورة اتخاذ خطوات صغيرة وبسيطة وعملية لتحسين الأوضاع المعيشية للسكان اليمنيين بسرعة»، لافتاً إلى أنهم «ناقشوا كيف يمكن إدارة السياسة النقدية من خلال توحيد البنك المركزي للحد من الأزمة الإنسانية المتصاعدة، وتناولوا الحاجة إلى إصلاحات القطاع الأمني ​​واستراتيجيات الاستقرار، من خلال التسويات التفاوضية المحلية، وكذا الارتباط الحقيقي  بين الحد من البطالة وبين أي جهود ناجحة في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وقاموا برسم خرائط لأصول اليمن الاقتصادية العديدة».
وأوضح أنه، وبعد «تقييم دور اللاعبين الإقليميين والدوليين في جهود إعادة الإعمار، شدد المتحدثون في المنتدى، على الحاجة إلى التنسيق وتقاسم الأعباء، وكذلك التأكيد على تصميم عملية إعادة البناء من القاعدة إلى القمة بدلاً من التصميم من أعلى إلى أسفل».
ورجح الخبراء أن «يتعامل اليمن مع اتفاقيات سلام جزئية ومجزأة قبل الوصول إلى أي حل وطني متكامل»، وفي ذات الخصوص شددوا على وجوب أن «تبدأ جهود إعادة الإعمار قبل أن يتم إخماد الصراع بالكامل، مع ضرورة تحديد المناطق الأكثر قبولاً لإعادة الإعمار، والعمل بطريقة تشجع المناطق الأخرى على تهيئة الظروف التي تسمح بإدخال الموارد البشرية والمالية بفعالية».
وذهب الخبراء في توصياتهم أيضا، إلى التشديد على وجوب «إنشاء سلطة إعادة إعمار وطنية مع ممثلي الدول المانحة الرئيسية والدول المجاورة، والمنظمات غير الحكومية الدولية»، مشيرين إلى أن هذه الهيئة، تحتاج إلى روابط قوية مع المجالس البلدية المحلية من أجل بناء الثقة وضمان عملية من الأسفل إلى الأعلى بدلاً من البدء من الأعلى إلى الأسفل من أجل تحديد أولويات إعادة الإعمار، وينبغي أن تركز على المشاريع ذات الأثر السريع والواسعة النطاق».
وبشأن السياسة النقدية فقد أكد المتحدثون في المنتدى، على «ضرورة إعادة توحيد البنك المركزي اليمني أولوية قصوى في أي جهد لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وذلك حتى يعاود الظهور كمؤسسة فعالة وموثوق بها ذات رأس مال كافٍ لتحقيق الاستقرار في العملة الوطنية».
وبخصوص معالجة نزع السلاح، أوصى المتحدثون بأنه ينبغي معالجة ذلك الأمر من خلال تسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم على الفور في القوات الحكومية الرسمية، مع ضرورة معاملة جميع المليشيات والقوات الأخرى معاملة متساوية، والعمل على خلق فرص عمل لهؤلاء الأفراد بحيث يكون لديهم بديل اقتصادياً مناسباً للحد من إعادة تسلحهم مرة أخرى».
وفي الشأن الاقتصادي، أوصى المتحدثون، بضرورة «تطوير الأصول الاقتصادية للبلد، مثل مصائد الأسماك، وموانئ المياه العميقة، وموارد الطاقة، وذلك من خلال الاعتماد على القطاع الخاص الذي لا يزال قوياً في اليمن، ورؤوس الأموال الموجودة في الخارج».
وأكمل المتحدثون في المنتدى توصياتهم بالتشديد على أن «مستقبل اليمن السياسي، سواء خرج من الصراع كدولة موحدة أو كونفدرالية، يجب أن يقرره اليمنيون أنفسهم». منوهين إلى أن الانتخابات الوطنية، «ستكون جزءً مهماً من هذه العملية، شريطة عدم الإسراع بها، وأن لا تعقد إلا بعد التركيز الكافي على المشاركة والمساءلة بما يضمن تنظيمها السلمي».
وختم المتحدثون توصياتهم بالقول: «بما أن وجود يمن، مستقر، ومزدهر يفيد المنطقة الأوسع، فيجب على دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة النظر في تقديم تنازلات لليمن للمساعدة على المدى الطويل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي ستحتاج إليه البلاد عند خروجها من هذا الصراع».

التعليقات