​في الوقت الذي أغلقت فيه معظم الشركات والمؤسسات الإنتاجية والخدمية أبوابها منذ بداية الحرب، وعزف التجار والمستثمرين عن المغامرة بأموالهم في السوق اليمنية، نتيجة حالات الانفلات الأمني، وعدم الثقة بالمآلات التي قد تكون عليها البلاد في المستقبل القريب والبعيد على السواء، إلا أن ما تشهده السوق المحلية من تزايد غير مسبوق لأعداد شركات الصرافة والتحويلات المالية وانتشارها الواسع في مختلف المدن اليمنية، صار مثيراً لإهتمام عامة الناس، خاصة أن هذه الشركات وجدت في وضع اقتصادي لا يسمح لها بالنمو المتسارع والكبير.
تكهنات
 وكثيرا ما تذهب التكهنات لدى العامة؛ بأن الانتشار الواسع لشركات الصرافة جاء ليلبي حاجة بعض الأطراف المستفيدة من استمرار حالة الحرب، والذين وجدوا منها الوسيلة الأنسب لتحويل الأموال والتلاعب بأسعار العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وتحقيق الربح غير المشروع على حساب اليمنيين، الذين يعانون مرارة الفقر والحرمان وانقطاع صرف مرتبات موظفي الدولة، منذ أكثر من عامين، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، الذي لازمه ارتفاع أسعار السلع والخدمات، إلا أن هذه التكهنات - وإن كانت تؤكد على براعة الوعي الجماهيري اليمني-، إلا أنها،  مازالت تقف على مسافة بعيدة من حقيقة ما تمارسه الأطراف المستفيدة من استمرار الصراع اليمني من خلال هذه الشركات.
نقل البنك
وعلى الرغم من صواب تكهنات العامة وكثير من المعنيين والمتابعين للشأن الاقتصادي اليمني، إلا أن أغلبها لم تكن تضع في الاعتبار، العلاقة بين التزايد الكبير بأعداد هذه الشركات وبين قرار الرئيس هادي بنقل البنك المركزي اليمني في سبتمبر 2016 من العاصمة صنعاء، إلى عدن التي سبق له إعلانها عاصمة مؤقتة. 
إلى ذلك تحدث إلى «العربي» الباحث في الشئون التجارية والمصرفية عمرو عبد السلام الحكيمي، قائلاً، «ظل عدد شركات الصرافة في اليمن محدوداً جدا حتى عام 2015، ويحضرني بأنها لم  تتجاوز آنذاك  120 شركة مرخص لها بموجب قانون البنك المركزي، وتنتشر في عموم الجمهورية اليمنية».
وأضاف، «إلا أنها بدأت بالتزايد في عامي 2016، 2017، بشكل متسارع، ليبلغ عددها، حسب إحصائية صادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي، أكثر من 1350 شركة، منها 800 شركة غير مرخص لها»، مشيراً إلى، «أن هذا العدد الكبير الذي ورد في التقرير لم يشمل كل شركات الصرافة في معظم المدن اليمنية، وإنما اكتفى بالشركات البارزة في العاصمة صنعاء وركز بالدرجة الأولى على المدن الواقعة تحت سيطرة حكومة هادي».
ونبه الحكيمي إلى أهمية الإشارة إلى العلاقة بين الزيادة الكبيرة بأعداد هذه الشركات، وقرار نقل البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى عدن، قائلاً، «كان الانتشار ملفتاً للنظر، وبرره كثيرون حينها، بأنه ناتج عن غياب دور المؤسسات الرقابية، فيما برره أخرون، بأنه ناتج عن الضرورات الملحة لوجودها، لمواجهة حاجة السوق، في ظل الظروف الاقتصادية المتوقعة، بدعم من التحالف».
زيف المبررات
وفند الحكمي تلك الذرائع والمبررات بالقول، «اتضح في الأخير، بأن تلك المبررات ما هي إلا ذرائع لأصحاب المصالح الكبيرة، من المعنيين في نهب الأموال اليمنية من البنك المركزي وتحويلها إلى عملات أجنبية، عبر شركات الصرافة إلى الخارج».
وأردف قائلاً، «هذه الشركات تعمل على مدار الساعة، ولها علاقة وطيدة مع البنك المركزي، تسحب الدولار والريال السعودي من الأسواق المحلية، وتحولها أولاً بأول إلى حسابات تابعة لمكتب الرئيس هادي في الرياض، أو في أي بلد ينتقل إليه، وإلى حسابات الحكومة، والأمانة العامة للرئاسة».
وانتهى الحكيمي إلى القول، «ولم يعد هذا الأمر خافياً، خاصة مع ظهور العديد من الوثائق التي تدين الرئيس هادي ونائبه علي محسن الأحمر، ورئيس الحكومة السابق بن دغر والرئيس الحالي معين عبد الملك، وتؤكد أن مئات المليارات يتم صرفها من البنك المركزي بعدن، ويتم تحويلها إلى الخارج بالعملات الصعبة، مستفيدين من الدور الفاعل لشركات الصرافة، التي تلعب دورا حاسما في شراء العملات من السوق، وتحويلها إلى الخارج، وتحق أرباحا غير عادية في ظل هذا الوضع من التكامل بينها وبين البنك المركزي».
فضيحة زمام
يعتبر التقرير الذي رفعه حافظ معياد، رئيس اللجنة الاقتصادية، مؤخرا إلى معين عبد الملك والرئيس هادي، والمشفوع بالوثائق، بخصوص توجيهات محمد منصور زمام بسحب مبلغ 9 مليار ريال من البنك المركزي للتداول عبر شركات الصرافة والتحويلات المالية في عدن، خلال شهر نوفمبر الماضي، واحد من الوثائق المهمة، التي أثارت جدلا واسعا في منصات شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة أنه قوبل بالصمت المطبق من قبل الحكومة والرئاسة، ما أكد التكهنات، عن أن الحكومة تقوم عملياً بالمضاربة في أموال البنك المركزي في السوق السوداء، إلى ذلك تحدث إلى «العربي»، أستاذ الاقتصاد في كلية الإدارة بجامعة ابن خلدون بعدن فهد سالمين، قائلاً، «لم تكن هذه الفضيحة الأولى ولا هي الأخيرة، ومعلوم أن تعيينات هادي لمختلف رؤساء وأعضاء الحكومات، تعيينات مشروطة، بحيث يعمل الجميع كإدارة واحدة، وتحت هدف واحد يجمعهم، وهو توفير السيولة المالية من الايرادات اليمنية المحدودة، وتحويلها إلى الخارج، تحت مبرر تسيير أداء الحكومة والرئاسة في الرياض وجدة والقاهرة»، وعن إمكانية أن يتعرض زمام محافظ البنك لأية عقوبات، بعد تأكد هذه الفضيحة، قال سالمين، «من المستبعد أن يتخذ أي قرار ضده، لأنه زمام يعمل ضمن منظومة إدارية متكاملة، في الرئاسة والحكومة، وبالتالي يعتبر عمله تنفيذا لتوجيهات من هادي ونائبه ومن رئيس الحكومة».

التعليقات