عندما انطلقت مليشيات «أنصار الله» ابتداءً بإسقاط عمران، وصولاً إلى صنعاء بسرعة مرعبة كان رهان صالح الثأري والانتقامي يتركز على إسقاط علي محسن، وقوته «الفرقة»، ومجموعة «آل الأحمر»، و«التجمع اليمني للإصلاح»، وحكومة «الوفاق»، واسترجاع عرشه عبر التحالف مع «أنصار الله».
انطلقت مليشيات «أنصار الله» كالريح باحتضان ومشاركة واستقبال جيش وأمن صالح ومحازبيه والقوى النافذة المؤيدة لصالح. وقف «التجمع اليمني» مذعوراً، وربما أدركت قيادته أن الأمر أكبر من قدرتهم على المواجهة بعد أن سقط خط دفاعهم عمران، وتلبك موقف الفرقة والقائد علي محسن.
لم يكن لعبد ربه منصور ولا لوزير دفاعه سيطرة على الجيش والأمن والحزب؛ فقد ظل صالح ممسكاً بيديه وبقبضة حديدية على مصادر القوة والمال، وفي حين انغمس قادة «الإصلاح» ومحسن في اقتسام الغنائم والهيمنة والنفوذ، اهتم صالح بتقوية مركزه، وتعميق تحالفاته مع «أنصار الله»، وتسليمهم مفاتيح الوصول إلى الوحدات والأمن ومختلف المناطق التي لم يكونوا يعرفونها، ومن باب أولى لم يكن لهم نفوذ فيها.
وقف «الاشتراكي» و«الناصري» والقوى المدنية الأخرى، وبالأخص شباب الثورة، موقف المتفرج، وكانت مشاركة بعضهم أشبه بالرشوة أو شهادة الزور.
شهوة الثأر والانتقام أعمت صالح عن رؤية مطامح ومطامع «أنصار الله». وفي البدء، وبعد اجتياح صنعاء وافقت «أنصار الله» على وثيقة «السلم والشراكة»، والملحق الأمني 21 سبتمبر 2014 اللذان تنصلت منهما كل الأطراف فور توقيعها، وبالأخص «أنصار الله»، الطرف الأساس في الصياغة.
راهنت أطراف الحرب الأهلية الداخلية على حسم عسكري، واعتقدت دول «التحالف» أن الحرب محسومة في أسابيع وربما شهور. أطراف الحرب الأهلية و«التحالف السعودي- الإماراتي» لم يقرؤوا التاريخ اليمني، ولم يدركوا أن إرادة الشعب الحقيقية ليست مع الحرب الأهلية، وهي ضد كل أطرافها، وضد التدخل السعودي الإماراتي، المدعوم من أمريكا وبريطانيا وفرنسا.
يدرك اليمنيون أن التحالف العسكري يستهدف تفكيك اليمن، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتدمير كيان اليمن الوطني، وأن «الشرعية» أداة حرب بيد «التحالف». حرب الأربع سنوات دللت أن القرار قد خرج من أيدي اليمنيين، كما أنه بالأساس ليس بيد الأطراف الإقليمية؛ فهو قرار دولي بامتياز. معركة الحديدة وما تبعها تؤكد أن القرار الأمريكي-البريطاني هو الحاسم، ولا تستطيع السعودية ولا الإمارات الخروج على الإرادة الأمريكية.
المأساة أن اليمن الآن تستخدم كرهينة أو أسيرة حرب؛ فالمعتقلون السياسيون يعاملون كأسرى حرب، ويجري التفاوض عليهم كأسرى حرب. تعز رهينة الحصار، والجنوب كله رهينة، الحديدة رهينة حرب أيضاً، وأطراف الحرب الداخلية والخارجية يتعاملون مع اليمن كرهينة وأسيرة حرب.
أوهام الحسم العسكري الكلي قد تراجعت، وحل محلها أوهام الضربات القوية هنا أو هناك لانتزاع انتصارات معينة تساعد على فرض الحلول.
تعز والحديدة رمزا ارتهان اليمن كلها، وحصارهما يعني أن اليمن كلها محاصرة، وحقيقة الأمر أن اليمن كلها - ككيان وطني- محاصرة براً وبحراً وجواً، وهوامير الحرب والحصار في الداخل والخارج كلهم أدوات للقوى الكبرى؛ لتدمير اليمن، واستنزاف ثروات الأمة، وتدمير قدراتها، وغرس العداوات والأحقاد بين أبنائها؛ لتنفرد إسرائيل بالمنطقة كلها كقيادة لصفقة القرن؛ فالعرب ليسوا أكثر من طوائف وأعراق وقبائل متنافرة متناحرة كما يرى برنارد لويس المفكر الصهيوني، والباحث الأمريكي صامويل هنتجتون صاحب كتاب «صراع الحضارات».
واضح أن أوهام الحسم العسكري قد تراجعت، ولكن أوهام الحصول على ما عجزت الحرب عن تحقيقه مازال حاضراً، والأخطر من ذلك كله الرهان على أن التجويع لغالبية اليمنيين والتشريد واستمرار المواجهات وتفشي الأوبئة الفتاكة كفيلة لكل طرف بتحقيق الانتصار الذي فشلت فيه الحرب.
كل طرف يعتقد خاطئاً أنه بالاستناد إلى السلاح والمليشيات وبالدعم الخارجي يستطيع بمفرده أن يحكم اليمن، وقد تتراجع الطموحات عندما تصطدم بالواقع أكثر من مرة. الاحتمالات الخطرة استدامة المواجهات بين القبل والمناطق والجهات؛ لاستمرار نزيف الدم، ونهب الثروات، والاتجار بحياة الناس وأقواتهم.
الاحتمالات مفتوحة كأبواب الجحيم؛ فالحرب لا تلد إلا الحرب؛ فهي مرشحة لامتداد لهبها إلى عموم مناطق اليمن، ومرشحة -في حال الاستمرار- أن تصبح حرب الكل ضد الكل"، ونماذج أفغانستان والصومال تفقأ العين، وتصم الآذان، وتدمي القلب.
عائد تجارة الحروب خرافي يغري قادة الحروب والمستفيدين منها بالإصرار على استمرارها، وفي أحسن الأحوال إعاقة الحل السياسي، واستمرار المواجهات، أو حالة «اللاحرب»، و"«للاسلم» وهي إرادةٌ أيضاً في ظل الضغط الدولي المتزايد.
الأزمات الدولية تتصاعد، والأوضاع الاقتصادية مرعبة، وصراعات الدول الكبرى تتزايد، وتحالفاتها في حالة تفكك؛ الأمر الذي قد يدفع إلى تراجع الاهتمام باليمن؛ فهي اليوم ليست أولوية، والاهتمام بها نابع من البعد الإنساني، وضغوط بعض المنظمات الإنسانية، إضافةً إلى الأوضاع العربية المتدهورة، وصراع الإقليم.
بروز إسرائيل كقوة ومشروع صفقة القرن المتبنى أمريكياً كلها تفرض على اليمنيين الخلاص من الحرب، وليس من مخرج أمام أهلنا غير الحل السياسي السلمي.

التعليقات