ما الذي تفعله المرآة غير عكس صورنا على صفحاتها الصقيلة، حتى ونحن نضع الأشياء والآخرين أمامها لابد أن يظهر شيء منا في جانب من صورة الانعكاس.. لعلَّ هذه أبسط خلاصة قد يصل إليها قارئ (كُتَّاب في المرآة) أحدث كتب الأستاذ نجيب سعيد باوزير، (صدر مطلع العام) والذي ذيل عنوانه بعبارة شارحة تقول «عُصارة عُمرٍ مع أهل المعنى والفن» سوف تسهم في توجيه القارئ نحو المغزى من تأليف الكتاب الذي يتداخل فيه الغيري بالذاتي، تناول فيه المؤلف الحديث عن أربعة وثلاثين شخصية أدبية وثقافية، محلية وعربية، وقد احتل فيها الأقارب من آل باوزير مكانة مهمة، ذلك أن الأسرة التي ينتمي إليها الكاتب قد تعددت أسهامات أفرادها في مجالات الأدب والثقافة والفكر، وفي مقالات الكتاب التي تربو على الأربعين مقالة، صب صاحب المرآة «عصارة» معايشة مباشرة وغير مباشرة لشخصيات تتفاوت في تأثيرها في الشأن العام، وقد تناول موضوعات عديدة تتصل بقضايا الفن والإبداع من وجهة نظره، تتداخل في سطورها وظائف المقالات النقدية الانطباعية التي تقدم للقارئ تفاصيل مهمة في شؤون الأدب والثقافة ـ سيحتل الشعر بشقيه الفصيح، والعامي المغنى مساحة عريضة ـ ووظائف المقالات الذاتية الكاشفة عن شخصية الكاتب وجوانب من حياته الخاصة.
والمرآة إعادة لكتابة المقالات الأدبية التي كان نجيب باوزير، قد نشرها في مناسبات متعددة، تتصل بالحديث عن الشخصيات والموضوعات الثقافية العامة، والتي لم يكن الحديث عنها مجرداً عن حديث الكاتب عن ذكرياته والاستدعاء الحميم، وكأنما مرايا الآخرين أحد الأسباب التي يعبر من خلالها للحديث عن النفس، تطل فيه الذات على تجاربها ومواقفها وعلاقاتها من مسافات متعددة، فتتفلت صور وشذرات من حياة صاحب المرآة، واتصاله ببعض الشخصيات المؤثرة في تكوينه الثقافي وفي تشكيل رؤيته النقدية، وتحضر في أثناء ذلك شخصية الأب سعيد عوض باوزير بقوة، ليس بوصفه المؤثر في الحياة الخاصة لنجيب فحسب، وإنما بوصفه أحد الشخصيات الثقافية الكبرى المؤثرة في الحياة العامة والثقافية في حضرموت وجنوب اليمن.
في الذكريات بوصفها أحد أشكال الكتابة الذاتية يُعنى الكاتب باتجاه رصد الأحداث العامة بما تحفل به من مشاهد ومناسبات خارجية، وغير ذلك، أكثر من عنايته بالحديث عن الحياة الخاصة والانفعالات والمشاعر الداخلية، ولذلك لا يطلب منه ما يطلب من كاتب المذكرات أو السيرة الذاتية من تفاصيل أو بوح بما هو خاص وذاتي، كما أن كتابة الذكريات نفسها قد تواجه إشكالية تجنيسها بسبب تداخلاتها في حقول شتى، وتشظياتها، مما لا يمنحها في بعض الأحيان الاستقلال النصي، فقد تتسرب بوعي وبلا وعي في ثنايا ألوان من الممارسة الكتابية كالتأريخ أو المقالات، وتصبح مهمة القارئ في هذه الحالة جمع أشتاتها المبعثرة، وإعادة بناء المعلومات الخاصة، مما يساعد على تكوين صورة ما عن حياة كاتبها، وتأثيره في هذه الحياة العامة التي يرويها، وتكون الصورة المبتغاة التي يحاول الكاتب أن يبرزها هي من أهم الدوافع الكامنة وراء مشاطرة الكاتب القراء ذكرياته.
وبهذا المعنى لم يكن (كُتَّاب في المرأة) كتاب ذكريات بالمعنى الدقيق، لكنه أيضاً لم يخل من نزعة التذكر التي تتفاوت في مقالات الكتاب بين الشذرات القصيرة والمقاطع الطويلة التي تغطي تفاصيل من مشاركاته ومشاهداته وحضوره في المواقف والمناسبات المروية، وفي هذا الباب يمكن النظر إلى كثير من المقاطع التي ينهمر في الاستدعاء وأفعال التذكر، مثل قصة مشاهدته للمرة الأولى في طفولته الشاعر الكبير حسين البار، في أثناء إحدى زياراته لمنزل العائلة، وذكرياته عن مبارك العبد الساخرة التي مررَّ من خلالها وصف الأجواء الكابوسية التي عاشها الجنوب في السبعينيات تحت سلطة الماركسيين القمعية، وحديثه الحميم عن عمانيين: الأول في فصل «مع ذياب بن صخر العامري.. رحلة عمر» وتمتد رحلة العمر هذه إلى المراحل الدراسية الأولى، ونقلت ذكريات مشتركة مع صديقه الإعلامي العماني ذياب العامري، أما الآخر فهو صديقه الشاعر العماني سالم المشعني، وهما من أخصب فصول الكتاب حديثًا عن الذكريات، كاشف عن جوانب مهمة في حياته ذكرياته ومواهبه، وغير ذلك من ذكريات الكتاب التي نشاهد في مراياها جوانب مع حياة نجيب باوزير وتنشئته ورحلاته ومراحل الدراسة، ويحدث كل ذلك من خلال فعل التذكر، حين تزيح المرآة صور كُتَّابها لتفسح المجال لمشاهدة نجيب في طرف من الصورة المنعكسة.

التعليقات