في كتابه «الهويات القاتلة» يتحدث أمين معلوف، عن اكتساب الإنسان للهوية عبر محيطه الثقافي، والاجتماعي، وكيف يمكن أن تتحول هذه الهوية إلى أداة من أدوات الموت، والقتل وإلغاء الآخر، وكيف تجعل الإنسان ينتج المسوغات التي تجعله يسعى من أجل حمايتها، والحفاظ عليها بقدر يتجاوز حماية الحياة ذاتها. ولكن معلوف يؤكد أنه «يمكننا ترويض هذه الهوية والسيطرة عليها ولكن بطرق لا تعتمد على الإلغاء والتمييز والعنف». ومن ينظر إلى واقع المجتمع اليمني حالياً سوف يجد فعالية هويات قاتلة مختلفة كلها نابضة بالعنف والموت والدمار، ومحركة باتجاه إلغاء الآخر والقضاء عليه، مقدمة نفسها البديل الأصلح والأقدر والأجدر بالبقاء.
حين أراد «الحراك الجنوبي» أن يحوّل مطالبه الاقتصادية والحقوقية إلى سياسية في عام 2007، بدأت الوسائل الإعلامية المؤيدة له، واتجه خطابه نحو تشكيل هوية يتحرك على أساسها، وهي رؤية الجنوب القائم على أساس دولة ما قبل عام 1990، والتي هي هوية سياسية ضمن ما كان يسمى جنوب اليمن أو اليمن الجنوبي. بيد أن هذه الهوية لم تقف عند هذا الحد فاتجهت نحو الانسلاخ عن هذه الهوية اليمنية والبحث عن هوية مختلفة لا تبتعد عن مشكلات الدولة الفاشلة فقط، ولكن للابتعاد عن الهوية ذاتها بوصفها مشكلة. والخطير في هذا الأمر هو أن ينفلت الخطاب من هدف تحقيق الاستقلال إلى بروز أعراض خطيرة أخرى قائمة على معاداة الآخر، سواء داخل حدود هذه الدولة الجديدة أو داخل إطار اليمن (الذي يعد مشكلة في تصور «الحراك الجنوبي» وأتباعه)، وهو الأمر الذي قد يؤسس لصراعات قادمة مبنية على هذا الفرز بين هاتين الهويتين.
ببساطة يمكن القول إن ما أنتجه «الحراك الجنوبي» يأتي في إطار محاولته الدفع بالخطاب نحو المستوى الجماهيري وكسب ودهم بخطاب ثوري مختلف يصدم وعي الناس ويعدهم بالانسلاخ عن الماضي بكل ما فيه، غير أن الواقع حينها كان يعد بالمئات من الهويات الصغيرة التي فشلت دولة الوحدة وما قبلها أن تتخلص منها أو تسيطر عليها تحت هوية الدولة الجامعة المحكومة بالنظام والقانون، فهناك هويات قبلية وأخرى دينية، وهويات مناطقية، وعرقية. صحيح لم يكن هناك صراع مسلح، ولكن كان هناك صراع على نحو ما، وهو الصراع الذي أنتج الكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثل البطالة، والرشوة، والمحسوبية، والعنصرية القائمة على أساس مناطقي أو عرقي أو ديني أو عشاري. غير أن كل هذه الهويات ظلت تعمل دون وعي احترافي في صناعتها بمعنى أنها بدت أشبه بالعمل المجزّأ، ولم تتحول إلى خطاب مدروس موجه لتحقيق أهداف معينة.
على العكس من تلك الهويات الجزئية ما تم صناعته من هويات قائمة على أساس ديني، إذ عمل تيار «الإخوان المسلمين» ومنذ ما قبل عام 90 وحتى 2014 وبمختلف مؤسساته الحزبية والتعليمية والجمعيات والمراكز الدينية على التحول باتجاه تشكيل هوية يمنية بطابع إيديولوجي معين. بموجب هذه الهوية الدينية الجديدة تم تحويل كل ما كان مألوفاً بالمجتمع بوصفه جزءاً من تاريخه وتراثه وعاداته وتقاليده، وتم وصف كل ذلك بأنه جاهلية وتخلف ورجعية، والاستعاضة عن كل ذلك بتصرفات وأساليب دينية متشددة، ووصف السلوك الجديد بـ«الصحوة». وعلى نحو أكثر تشدداً ظهرت الحركة السلفية، ثم ما فتئت أن ظهرت «القاعدة» واخواتها من التيارات الدينية الأكثر تشدداً، وكلها تيارات دينية تحاول قدر استطاعتها فرض هوية دينية على المجتمع، وهو ما تحاول الآن أن تفعله «الحركة الحوثية» أيضاً.
ربما يبدو الأمر نتيجة لكل هذا العبث والفوضى، وظهرت الآن ما تسمى الحركة اليمنية «أقيال» أو «العباهلة»، وهي حركة في مجملها تنتمي إلى التيار اليميني المتشدد، أو التيارات القومية التي تعتمد على خطاب تعزيز الروح القومية في الناس تماماً كما فعل هتلر، إذ تقوم الحركة على استنهاض الروح القومية في أفراد المجتمع لكنها تنزع بعد ذلك إلى معاداة الآخر بوصفه أجنبياً ولا يمتلك من الفضل ما تملكه هذه القومية، وكما يتضح في خطابات هذه الحركة معاداة عناصر المجتمع ممن يختلفون معهم فكراً أو من يصفونهم بغير اليمنيين، في مسعى لوضع اليمن دماً نقياً لا يستحق أن يكون يمنياً إلا من يحمله، لا أن اليمن مكاناً جغرافياً وحينها يكون كل يمني من ينتمي إلى هذه الجغرافيا ومن يسلم بأمر سلطته إلى قوانينها.
ستظل هذه الهويات تظهر من وقت إلى آخر، إما بوصف هذا الظهور ردّات فعل لغياب الدولة الجامعة، أو بوصف ذلك سياسات مدروسة باتجاه صعود جماعة وبدعم داخلي أو خارجي، استغلالاً لهذا الخطاب الذي يستحث الناس واعداً إياهم بتغيرات ثورية تخالف المعهود وتصنع في خيالاتهم مستقبلا مزدهر. غير أن أياً من هذه الهويات لن يكون محكوماً بأي نجاح، فالهوية المعززة بالتعصب وإلغاء الآخر مصيرها إلى تدمير ذاتها لأن التعصب يتغذى على التعصب حتى يحرق يحترق ذاتياً مع ما حوله أخيراً.

التعليقات