تصبح النزاعات العسكرية والحروب التي تندلع في العالم (تحديداً في جنوب الكرة الأرضية)، سوقاً مستدامة للأمم المتحدة على اختلاف تجاربها الإنسانية والسياسية والحقوقية والصحية... معظم النزاعات والحروب تنشأ بدءاً على خلفية حاجة مركز الهيمنة الامبريالية الأمريكية الغربية إلى إجراء تعديلات في الأنظمة والخرائط والبلدان تمشياً مع مستجدات مصالحه، أو كنتاج لثورات شعبية ذات توجهات مناهضة للهيمنة الامبريالية وتسعى للاستقلال وانتزاع حرية قرارها السياسي، فتقع في مرمى الاستهداف الامبريالي العسكري والاقتصادي والسياسي الرامي لإعادتها قسراً إلى (حظيرة الطاعة).
وفي كل الأحوال، فإن الأمم المتحدة تحضر بوصفها ذراعاً ناعمة لا غنى للامبريالية عنها في معترك تفكيك وإعادة بناء الخرائط والشعوب المستهدفة، وتكبيل ما أفلت منها من قبضة علاقات الهيمنة بأصفاد وردية وبيضاء تمهيداً للزج به في الحظيرة مجدداً.
تثور الشعوب في الغالب لاستعادة قرارها على ثرواتها الهائلة التي يهدرها وكلاء الامبريالية خارج مصالح أبنائها وبلدانها، لكنها تقع في الغالب كذلك ـ أسيرة حاجتها الملحة إلى (قراب محاليل غسيل كلوي وإبر أنسولين وخيام إيواء وفتات خبز يومي يقيها الموت المحتم)، فتتنازل عن حقها في امتلاك قرارها وعن ثرواتها الضخمة مقابل عيش الكفاف... وهكذا تتولى الأمم المتحدة ببرامجها ومنظماتها الإنسانية والحقوقية الأخطبوطية وبمبعوثيها ومراقبيها، تسهيل وتسيير انتكاس البلدان من طور الحلم الإنساني النبيل والخلاّق إلى حضيض نزوع الغريزة الآدمية للبقاء كيفما اتفق، كما وتلقين الشعوب طقوس وتعاويذ العبور من عنفوان الرفض والثورة إلى موات الحس والذات وانطفاء جذوة الأشواق والتطلعات الكبيرة، تحت وطأة الحاجة والعوز والجنوح اليائس لسكينة الإذعان والرضوخ.
هل ينحو المشهد الثوري اليمني الباسق صوب هذا المآل الناكص اليوم؟ وإلى أي حد أمكن لذراع العدوان الأممية الناعمة أن تأخذنا من سماوات الصمود الفذ المنتصر للعام الرابع في وجه الترسانة الحربية الامبريالية، لننكسر أمام (شوالة قمح) بذلة وصمت وصَغار وبلا عزاء؟
كانت المعادلة الثورية قائمة على مبدأ «لن تجوع الأسود وبجوارها حمير وحشية» و«ليتجرع العالم المنافق من ذات الكأس المسمومة التي يتجرعها شعبنا بتواطؤ دولي» و«يدنا ستبقى في النار ما دامت يد المجتمع الدولي في الماء ومالم نغمسها مرغمة في مراجل ثاني أكسيد النيتريك» و«مقابل كل قطرة دم يمني بئر نفط، ومقابل كل سقف في اليمن قصر ملكي في السعودية والإمارات..»!
تلك هي اللغة التي يفهمها العالم المنافق وينصاع لها، وأما اللغة الأممية المخاتلة والمنضبطة لـ(إتيكيت ديبلوماسي مهذب)، فهي ما لا نجيده ولا يفهمه شعبنا، والخيار اليوم هو بين أن يصغي العالم للغتنا بوصفها لغة الفطرة الإنسانية والحق في حالته الخام المجردة من دناءة وخبث زمن السوق، أو أن نتخاطب بلغة العالم المنافق، فنخلع آدميتنا وثوريتنا المشبوبة وآمالنا وآلامنا، ونعلقها على مشاجب الأمم المتحدة...
أن نربح ذاتنا ونخسر نفاق العالم أو أن نخسر الإثنين معاً ولا نربح سوى الجوع السرمد والعوز المستدام!

التعليقات