لا يعلم القابعون في الأبراج العاجية ما يعنيه الوقوف في طابور تسليم المساعدات. لقطة واحدة فقط لوجوه المنتظرين تكفي للبصق في وجه من يتحدث عن الضمير الإنساني لدى الحكومات والجماعات وكل من له علاقة بإطالة زمن الحرب. هذا في ما يتعلق بمشهد إيجابي يسعى للتخفيف من وطأة الحرب، أما فظائعها فلا أحد غير الضحايا أنفسهم يستطيع تصور كارثيتها. 
 منذ بداية الحرب، يتحدث كبار وصغار المسؤولين في الدول الكبرى والمستقرة عن حرصهم على إنقاذ الشعب اليمني من الفوضى والمجاعة والاقتتال والانفلات الأمني... وغير ذلك من عوامل تفكيك الدول والمجتمعات. في الواقع، كانوا يتحدثون عن ذلك قبل عشر سنوات على الأقل من اندلاع الحرب الشاملة في 2015. كل مؤشرات الوضع في اليمن خلال تلك العشر السنوات كانت تحذر الحكومات الساعية لتعزيز قطبيتها ضمن العالم الآخذ بالتحول؛ عالم القرن الأول من الألفية الثالثة. غير أن المجتمع الدول تعامل مع المحاذير الإنسانية في اليمن بإطلاق تحذيرات مقابلة من أن القادم أسوأ. هذا الأسوأ هو الأمر الوحيد الذي يتطور وينمو إلى الآن، بالتوازي مع خطط التنمية المستدامة وخطط الاستجابة الإنسانية ومقترحات الحوار والتوافق والتسوية، وكل ذلك الهراء الذي مازال يتردد ببجاحة أكبر من قدرة الضمير على ردعها.
  بودي التوقف عن التفكير بسياسات الدول الكبرى الحريصة على توسيع نفوذها وتعزيزه مهما كان الثمن. غير أن كل ما يحدث يعزز ارتباطه بأسوأ مراحل الصراع التاريخي بين الأمم. ارتباط يجعل من مقولة هيجل «التاريخ يكرر نفسه» بحاجة لتحديث أكثر مواكبة من «صورة المهزلة» التي أضافها ماركس.
ما الحالة التي يمكن أن تتجاوز المهزلة! فداحة مأساتنا أكبر من تصورات مارتن جريفيث للحل، وأكثر تعقيداً مما يعرفه المتحاربون عن طبيعة خلافاتهم الموغلة في القدم.
 ليس بيد جريفيث أو غيره عصى سحرية لإنهاء الحرب وإحلال سلام أكثر قابلية للتحقق بين الأطراف. ربما يستطيع عبر الدعم الدولي لمهمته أن يحمل الأطراف على التوافق وتقاسم السلطة، لكن مساعيه لن تخرج عن مسار التنافس الدولي على تقاسم المستعمرات. ذلك التنافس الذي أشعل خلال القرن الماضي حربين عالميتين ومئات الحروب الأهلية، ودشن الألفية الثالثة بأقصى ما للقدرة البشرية من طاقة لارتكاب الشرور.
وفي بلد كاليمن، صار بإمكاننا معرفة هذه الحالة غير المسبوقة، من تأكيدات كبار السنّ. أولئك الكهول بلحاهم البيضاء المهابة، الذين يفضلون الموت على استمرارهم في عيش حياة تهوي بسرعة فائقة نحو قعر الانحطاط. في وضع كهذا، ما الذي تعنيه الزيارات المكوكية لمبعوث أممي بين العواصم ومناطق التوتر، بالنسبة لجائع أو مريض أو نازح متشرد. أولئك الذين لا يثقون بنظام الطوابير أمام مخزن للمعونات المجانية، كيف لهم أن يثقوا بوجود ضمير إنساني لدى قادة الحرب ووسطاء السلام. إنهم لا يأبهون حتى لمن يستغل عوزهم للتحايل على حصص المساعدة المصروفة لهم، فكيف بمن يستغل مأساتهم الإنسانية لتقسيم على أراضيهم وبحارهم.

التعليقات