تحيي مدينة الشحر بذكرى رحيل شاعرها حسين أبوبكر المحضار، ومعهم الملايين من عشاق فنه في اليمن وخارجها من أطراف البلاد العربية التي عرف أثير إذاعتها أو شاشاتها الفضية غالبًا عبر حنجرة الفنان العربي الكبير أبو بكر سالم بلفقيه، فللمحضار الذي رحل في الخامس من فبراير قبل تسعة عشر عامًا عطاءً زاخراً من القصيدة/ الأغنية كلمات ولحنًا بلغ خمس دواوين شعرية، تنوعت تناولاتها ما بين الغزل والحنين وحديث المجتمع والسياسة، ومن بينها قصيدة/ أغنية تحكي واقع حضرموت في بعض الحقب الزمنية بما يحاكي حالها اليوم.
أما نص الأغنية فقد جاء من مقطوعات خمس تنوعت محاورها، غير أنها تصب جميعها في مجرى واحد، ففي أولى المقطوعات تبدو (حضرموت) لوحة سريالية خطوطها ملونة بالفتن والفوضى، تتنازع أمرها قوى وأفراد يبدي الشاعر خشيته من أن تذهب ضحية فتنهم وفوضاهم؛ لاقتسامها وتشظيها ما بينهم ووأد كل ما هو جميل ونبيل فيها بفعل صراعاتهم العبثية أو اقتيادهم لها لسوق نخاسة (استعمار قديم أو جديد)، وبيعها بثمن بخس (قيمة دنية من غير دلال) سمسار أو وسيط يمكنهم أن ينحوا باللوم عليه في عملية البيع تحت ضغوطات مزعومة مارسها عليهم.. وإبخاسهم عائد البيع.. وقد استهل المحضار مقطوعته هذه بـياء النداء (يا حضرموت) لإيقاظ السادرين في غي فتنهم وفوضاهم ولوخز ضمائر الطيبين (الأغلبية الصامتة) من يتوسم فيهم خيرا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:
«يَا حَضرمَوُتْ الفِتَنْ والفَوُضَوُيِةْ ...  مَا بِينهُمْ خَايِفْ تَرُوِحْي ضَحِيِةْ
وإلا يَقعْ بَيِعْ.. والقِيَمِةْ دَنِيِةْ مِنْ غِيَرْ دَلالْ»
ومن موقع الخبير بالواقع والمعايش له والمنغمس فيه، يكشف المحضار حقيقة من كان قد أبدى خشيته من ذهاب (حضرموت) ضحية فتنهم وفوضاهم بدعوى ومزاعم زائفة، تتخفى خلفها نواياهم الحقيقية، فإذا كان ما يثيرونه من فتن ويحدثونه من فوضى بدعوى إصلاح واقع فاسد، فمن باب أولى أن يتأكد كل واحد منهم أنه من الفساد براء بالبحث (تفتيش) في جيوبه ليرى إن كانت خالية أو مدنسة ملوثة بمال فاسد... وهي مهمة حري بمثيري الفتن ومحدثي الفوضى القيام بها بأنفسهم قبل أن يزال عن المشهد ضبابيته، وتسطع على رؤوس الفتنة والفوضى وأذيالها ومسعري نارها خيوط الشمس (الضحية)، بمعانيها الدالة على الحرية والأمن والاستقرار واجتثاث الفساد لتدل عليهم (ها هم هؤلاء هنا):
«كُلٍ يَفَتِشْ كيْاسُهْ الداخلية... يَشوُفْ شِيْء وَسطها وإلا خَلِيةْ
مِنْ قَبِلْ مَا تُشرُقْ على رَأسُهْ الضَحِيةْ ...   والغِيَمْ يِنجَالْ»
وما كان لهؤلاء أن يقتادوا (حضرموت) ويأخذوا بتلابيبها ويرموا بها في أتون فتنهم وفوضاهم، لولا تغييب أمضى أسلحة المقاومة من الفتن ونشر الفوضى (الخلاقة وغير الخلاقة)، وحددها المحضار بثلاثة (الفكر، العقل، والوعي) وزاد رابعاً حدده في (شباب) ليس له نوايا طيبة لـ(حضرموت)، وينظر لما يصطلي به واقعه من منظور المتفرج اللامبالي الذي لا يهمه ولا يعنيه في الأمر شيئًا.
وهؤلاء الشباب ليس كلهم من صنف واحد، فمنهم من ضل الطريق القويم ومضى سادراً في غيه متبعاً هواه على غير هدى، ومنهم الببغاء الإمعة الذي يهرف بما لا يعرف، فيما الصنف الثالث وهو الأشد خطورة فإنه على إدراك واع لما يقوم به وبما يترتب على ممارساته من مآلات، غير أنه لا يأبه بذلك لانطواء نفسه على مآرب ذاتية دنيوية فاسدة غير سوية فضلاً عن اعتياده السير بمهاوي الزيف والدعاوى والمزاعم الباطلة لتحقيق مآربه، ولو بالاحتيال على الناس بنزوع ميكافيللي (الغاية تبرر الوسيلة) وعلى قاعدة (أنا ومن بعدي الطوفان)، وهذا ما ذهب إليه وعبر عنه المحضار في المقطوعتين الثالثة والرابعة من الأغنية:
«الفكِرْ وِينُهْ ؟ طهم والمَعقَلِيّةْ  والوَعيْ تَمْ .. ما بَقَتْ مَنُهْ بَقِيّةْ
وشبَابَنْا مَا معَاهُمْ طِيِبْ نِيّةْ     كُلُهْ تَهقالْ
حَدْ ضَالْ يِتبعْ هَوُىْ رَأسُهْ وغَيِّةْ      وحَدْ يَثرْثِرْ ولا عِندُه دَرِيّةْ
وحَدْ على غُشْ نِفسُـــهْ مِنْطُويّةْ على النَاسْ يِحتَالْ»
وكما استهل المحضار أغنيته بياء النداء (يا حضرموت) يختتمها بها أيضا وكما شخص الداء وحدد مكامنه، يقدم روشتة علاجه والبراء منه فيوصي (حضرموت) بالصبر على معاناتها، ثم الوفاء لقضيتها الحقيقية التي ينبغي لها أن تناضل من أجلها بسبيل الحرية والعدل والأمن والاستقرار، وقبل هذا وذاك الاعتصام بحبل الله، فهذا من عوامل وأسباب قوتها والحفاظ على قضيتها وعدم فقدانها وضياعها إذا ما اقترن القول بالعمل والفكر بالممارسة، فيما الثرثرة والتنظير (القيل والقال) لا تبني وطناً ولا تحقق أملاً، ولا تقتدر على حمل قضية والإبحار بها إلى مرافئ النجاح كما يستحيل أن تُريِش طيراً.. لكن بيدنا وبمقدورنا أن نطالع روشتة المحضار بعد انقضاء خمسين عاماً ونيف عليها، وهي لا تزال صالحة للاستخدام إلى يومنا هذا:
«يَا حَضرَمُوتْ اصْبَرِيْ .. كُوَنِيْ وَفَيِّةْ  وأَنتِ بالله.. مَا زِلْتِيْ قَوُيِّةْوبِالعْمَلْ لا تَفقدِينْ القَضِيةْ      بالقيل والقال
هيا عْسَى الوَقِتْ يِتبدلْ .. ويِصلِحْ مِنْ حَالْ إلى حَالْ»
وصرخة المحضار القصائدية الطربية المموسقة المُغناة ليست سوى واجب من مواطن مسكون بحب وطنه، حريص على هناء واستقرار مواطنيه، وتعبير عن استشعار فنان للمآلات الكارثية لواقع تصطرع فيه الذاتيات الأنانية، وتتناوشه التطلعات للسلطة والإثراء عبر تلونات حرباوية ومواقف زئبقية وتحالفات شيطانية. وهذا الاستشعار طبيعي، كما يقول الشاعر صلاح عبد الصبور في كتابه (حياتي في الشعر)؛ إذ «إن الفنانين والفئران هُم أكثر الكائنات استشعارًا للخطر، ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر هربًا من السفينة الغارقة. أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس، ويصرخون بملء الفم لينقذوا السفينة»، وهذا ما دأب عليه المحضار طوال مسيرة إبداعه، وهو ديدن كل من هو بقيمته وقامته ومقامه.

التعليقات