رغم استمرار الجهود الدولية من أجل دفع عملية السلام في اليمن، إلا أن مقترحات الحل والتحركات الدبلوماسية حتى الآن لا تحمل ملامح واضحة لأي مستوى من التهدئة. هذه الضبابية تلفّ مساعي المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن جريفيث، ومظاهر الدعم الدولي لمهمته، كما تلف مسارات الحل السياسي إلى درجة الغموض.
للشهر الثاني على التوالي، لم يتوقف المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن جريفيث عن المحاولة مع جميع أطراف الحرب للبدء في تنفيذ القضايا الرئيسية في اتفاق استوكهولم؛ تبادل الأسرى والمعتقلين، وتثبيت وقف إطلاق النار في الحديدة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. الصعوبات المعقدة التي تواجه تنفيذ هذه البنود الثلاثة، تحول دون وصول مساعي جريفيث إلى مناقشة البند المتعلق بالتهدئة في تعز، وفتح منافذ المدينة أمام حركة المدنيين.
بالنظر إلى الدأب الذي يتحرك به جريفيث، لا يبدو أن التقدم المحرز في بنود اتفاق استوكهولم يمضي بنفس الوتيرة. لا شك في أنه يدرك أسباب هذا التعثر لمساعيه، لكنه أذكى من التصريح بتعقيدات الملف اليمني في سياق السياسة الدولية. كل ما يستطيع قوله لا يتجاوز التنويه إلى التعقيدات المحلية والإقليمية وتشجيع «جميع الأطراف» للالتزام «بأقصى درجات ضبط النفس وتخفيف التوتر»، وبدرجة أساسية في الحديدة.
في الوقت الراهن، الحديدة هي أكثر ما يهم المجتمع الدولي في أمر اليمن، وحسب آلية عمل الأمم المتحدة، سيتوجب عليها تركيز اهتمامها وفقاً لبوصلة السياسات والمصالح الدولية. ظاهرياً، لا يبدو هذا خطأً أخلاقياً في دور الأمم المتحدة، لكنه ليس بالعمل الصائب تماماً. هي تمارس تدخلاتها في النزاعات الدولية وغير الدولية وفقاً لميثاقها الذي يعطي الأولوية لمصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. وبريطانيا التي تفضل استخدام الأدوات الناعمة للاستعمار، تحاول استعادة ما خسرته جراء تلك الحرب التي فككت سطوتها على العالم.
في هذا السياق، يأتي تعيين مارتن جريفيث مبعوثاً أممياً إلى اليمن، وبدون معلومات موثوقة ومسار واضح لمهمته، يصعب التكهن بما لا تقوله تصريحاته. مع ذلك، هناك ما يمكن التقاطه من الرسائل التي ترشح من تلك التصريحات التي يغلب عليها طابع التشجيع على الحوار والاستجابة للحلول السياسية.
نجح جريفيث في إحراز اختراق في جدار المواقف المتصلبة لأطراف الحرب، غير أنه أخفق في مساعي التنفيذ التي بدت سهلة بفعل وجود اتفاق موقع عليه؛ اتفاق استوكهولم. أول إخفاقات جريفيث كانت بإعطائه الأطراف حق تفسير البنود التي تخصها من الاتفاق، ثم يأتي الإخفاق التالي في اختياره للجنرال الهولندي كاميرت للإشراف على بعثة المراقبين الدوليين في الحديدة.
وفي حين تؤكد كل من حكومة الرئيس هادي وسلطات حركة «أنصار الله» في صنعاء على الالتزام باتفاقية استوكهولم، فمن غير المستبعد أنهم لا يدركون ما ينطوي عليه هذا الاتفاق من مخاطر على تقسيم البلاد؛ ليس التقسيم الاتحادي بطبيعة الحال، بل تقسيم البلاد بين أطراف النفوذ الدولي، سيما المناطق الساحلية والجزر. وإجمالاً، يبدو أن حساسية العرب عموماً مازالت منخفضة تجاه الأنشطة الاستحواذية للإمبراطوريات الأوروبية، بما فيها الولايات المتحدة. لقد أبهرتنا الحياة المستقرة والمتطورة في هذه الإمبراطوريات التي ظننا أنها تفككت، ونسينا أن إرادة السلام وهمة البناء والرغبة في التعايش، هي التي تصنع الفرق بين الخراب والعمران.

التعليقات