عند السؤال عن هوية ثورة فبراير 2011 في اليمن، فإن أهم تلخيص لها يتمثل في كونها شعبية، والآخر سلمية، وما عدا هذين المنطلقين لا علاقة له بفبراير ولا بما تناسل بعد ذلك من أحداث، والانحراف في تحليل الواقع بعيدا عن هذا الأساس لفبراير، يعد بمثابة الافتراء عليه وتحميله أخطاء لا علاقة له بها ولا بمسوغات وجودها.
بداية ينبغي وضع فبراير في سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولولا هذا السياق وهذا الواقع ما حصلت هناك ثورة ولا تحرك ولم يكن للأمر أن يصل إلى ما وصل إليه بعد ذلك نتيجة أخطاء وكوارث ارتكبها أعداء فبراير أو من منافقيه ممن حاولوا ركوب موجته باتجاه الحصول على مكاسب ثورية منه.
جاء تحرك الشباب في مطلع فبرير 2011 إثر تفاعلهم مع ما حصل في محيطهم العربي في تونس ومصر. في الوقت ذاته كان اليمن يواجه أكبر تحدي سياسي يتمثل في التعديل الثالث لعلي صالح على الدستور والذي يحاول فيه وأنصاره تمديد فترة الرئاسة لدورتين جديدتين أو بتغيير مواد تمكنه من الحكم مدى الحياة فيما سمي حينها بـ(قلع العداد) بحسب تعبير البركاني في إحدى مقابلاته الصحافية. كما أن مجلس النواب مرت عليه سنوات من تأجيل الانتخابات نتيجة لاستحالة قيامها بسبب الحراك الجنوبي المتنامي في الجنوب والرافض لأي مظاهر انتخابية للدولة اليمنية، وبسبب استفحال المؤتمر ورغبته في الاستمرار بالسيطرة على مجلس النواب عبر طرق التفافية وهو الأمر الذي كانت تقف أمامه المعارضة مطالبة بتصحيح السجل الانتخابي وغيرها من المطالب. وفي ظل تدهور في الاقتصاد وتضخم مستمر وارتفاع في الأسعار وتوقف في التنمية. كل هذه المبررات كانت الوقود الأساسي لثورة لامحالة، فالمناخ العام كان مهيأ لانقلاب بالضرورة سواء يقوم به النظام ضد نفسه أو بانقلاب من خارجه بالقوة أو بالسلم.
بعد تحرك الشباب في 2011 حاول النظام أو بعضه احتواء الحراك الشبابي الذي لم يجدد الأمل لدى كثير من الناس بالتغيير فقط ولكنه وحد مشاعر اليمنيين في الشمال والجنوب رغبة في اقتلاع النخبة الفاسدة من كل الأطراف، وبطريقة سلمية وحضارية تجمع الكثير من الفرقاء تحت هذه الهوية الجديدة للمستقبل وبلا سلاح، ولا زعامات وعشائر، ورجال دين. ولكن بعد 21 مارس بدأ التحول من ثورة إلى صراع سياسي داخل النظام نفسه، حيث استطاع نصف النظام أن ينضم إلى شباب الثورة مقدما نفسه لا جزءا من الثورة ولكن قائدا لها وحاميها ومتحدثا باسمها.
إذا حين نتحدث عن فبراير فينبغي أن نتحدث عن فبراير وثورته الشعبية النقية السلمية، فمارس وما بعده موضوع آخر، لا علاقة له به كما لا علاقة له بـ 21 سبتمبر 2014 ولا 2 ديسمبر 2017 لاختلاف الأهداف والعوامل والنتائج.
يحمّل «المؤتمريون» كل النتائج الآن على ثورة فبراير ومتناسين في الأصل أنه لولا سياسة التمديد وقلع العداد والتستر على الفساد واستمرار الهيمنة على الجنوب، من دون وضع حلول ثورية لـ«لقضية الجنوبية» وحل مشاكل السلاح والاقتصاد، ما كان هناك وجود لمسوغات الثورة أصلاً.
ويتحدث فريق كبير من «الحراك الجنوبي» عن ثورة فبراير لأنها قبلت بعلي محسن وغيرهم من رجال الدين والسياسة الذين انضموا لها بعد 21 مارس، متناسين أن ثورة فبراير ثورة شعبية وليس لها قائد حتى نقول إنه يتحمل مسؤوليتها، لأنه هناك الكثير من ثورا فبراير من رفض وما زال يرفض وجود علي محسن متحدثا باسم تلك الثورة بوصفه جزءاً أساسياً من النظام السابق وذيوله.
كما نجد في حركة «أنصار الله» من يفتري على ثورة فبراير متناسين أنها الثورة التي منحتهم الفرصة ليكونوا مواطنين صالحين بدون سلاح، وأعطتهم الفرصة لمشاركة المجتمع التغيير السلمي باتجاه قيم الدولة المدنية الحديثة بعيداً عن التعصب والسلاح والإلغاء، وإذا كانوا عابوا على بعض الثوار قبلوهم بعلي محسن من أجل التخلص من علي صالح، فقد قبلوا هم التحالف مع علي صالح من أجل التخلص من علي محسن ومن خلفه من الداعمين الدوليين.
لقد جاءت ثورة فبراير نتيجة حتمية لانسداد في الأفق السياسي وفي سياق الحراك الثوري العربي السلمي، ولكن لم تسلم من امتداد أذرع المتساقطين من النظام السابق الذين استغلوا شعبيتها وعدم وجود هيئة تنسيقية مستقلة لإدارتهاـ فانحرفوا بها عن مسارها وأعادوا إنتاج صراع النظام السابق الذي أدى بعد ذلك إلى كل ما حصل من كوارث، التي هي جزء أساسي من الصراعات السابقة، وليست بسبب فبراير ولا ثورته.

 

التعليقات