في خضم المراوحة السياسية بين طرفي القتال وما قد ينتج عن اجتماعاتهم من «بشائر» تحمل الحل بعد 4 سنوات حرب، وبينما يتابع المواطن اليمني معاركه الخاصة جاهداً في تأمين قوت يومه، يلوح بين الفينة والأخرى على امتداد رقعة البلاد بصيص أمل بغد أفضل، أبطاله مواطنون ما استسلموا للأمر الواقع، فقرروا مواجهة الصعاب بإرادة وتصميم على عيش الحياة حتى الرمق الأخير، فكانت حكاياتهم أشبه ما تكون بـ«بروفا» (إختبار) ناجحة لإعادة بناء ما تدمر، في يمن ما بعد الحرب.
فايز الحرش هو أحد هؤلاء الذين لم يعلنوا انهزامهم أمام عظيم المحن، فقرر أن ما أُخذ منه صغيراً لن يعجزه كبيراً. في الرابعة من عمره أصيب بشلل كلي على أثر حمى شديدة أنهكت جسده الصغير، وفي العام ذاته توفي معيل الأسرة الوحيد، لتبدأ مسيرة كفاح أسرته الحضرمية التي وضعها القدر في ظروف صعبة، فتغلبت عليها بالإصرار وقوة العزيمة.
هو من أبناء مدينة تريم التاريخية الواقعة بمحافظة حضرموت شرقي اليمن، متزوج وله 3 أبناء هم، محمد وحسن وامتياز.  يقول في حديثه لـ«العربي»: «والدتي هي التي أخذنا منها القوة لمواجهة الظروف التي ألمت بنا، حيث أصرّت على علاجي بعد إصابتي بشلل كامل برغم الظروف المادية التي تمرّ بها الأسرة، وخاصة بعد وفاة والدي، وبفضل هذا الإصرار والتضحية تحسنت حالتي، فاستطعت الحركة بعدما كنت مصاباً بشلل كامل».
ويضيف «منذُ الصغر كان لدي فضول وحب للاستكشاف، وخاصة عند رؤية أي مكنة (آلة) كهربائية أو لعبة تعمل بالكهرباء، حيث كنت أقوم بتفكيكها لرؤية ما بداخلها وكيفية عملها، وبعد سنوات تمكنت من إصلاح المسجلات ومكائن العصر ومراوح البيت».
بداية الانطلاقة لتحقيق الطموح
وأردف فايز في قصة نجاحه: «بعد فترة ليست بالطويلة تمكنت بمساعدة أخي وبعض الأصدقاء من جلب أدوات النجارة البسيطة، والتي بدأت بها في عمل تصميمات لمقاعد المطابخ والأخشاب التي يتم التقطيع عليها، ومن ثم طورت أعمالي الخشبية بمنحوتات تراثية ومجسمات مصغرة لمعالم سياحية من محافظة حضرموت والوطن، وبعدها طورت أعمالي وإمكانيات العمل لدي بجلب مكائن كهربائية، حيث بدأت العمل على تصميم خلايا النحل، وازدهر العمل لدي، حيث اشتهرت أعمالي بمدينة تريم وسيئون وغيرها من مناطق وادي حضرموت ».
انتكاسة والعودة للنهوض
يقول عمر الحرش، وهو الأخ الأكبر لفايز، خلال حديثه «العربي»: «بعد النجاح الذي حققه أخي في مجال النجارة وصناعة قوالب خلايا النحل، تعرض لانتكاسة كبيرة كادت أن توقف حلمه في إنجاز مشروعه الخاص الذي يتحدى به الإعاقة التي تعرض لها في صغره، حيث تمت سرقة الورشة التي يعمل بها، وقام السارق بأخذ أبرز المكائن التي يعمل عليها في تصنيع قوالب خلايا النحل، الأمر الذي أصاب فايز بحالة من الإحباط والاكتئاب»، يضيف عمر «سعى الكثير من الأقارب والاخوان في إدارة جمعية الأمل، على رأسهم الأستاذ أيوب صبيح، لمساعدة أخي -الذي كان يحب كثيراً الاعتماد على نفسه – ليتمكن بعدها من النهوض من جديد ».
 
الدخول في مجال الابتكار
وعن دخوله في مجال الابتكار، قال فايز: «بعد ما تمت سرقة ورشتي للنجارة، قمت بفتح مخرطة للمكائن وبدأت في أعمال الابتكار في المحركات، حيث قمت في العام 2007م بتحويل دراجة نارية صينية الصناعة من نوع (شمكو) الى دراجة ذات ثلاث عجلات، لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة على التنقل بها، بل والعمل عليها، وقمنا بعمل أكثر من 20 دراجة مماثلة في مدينة تريم ووادي دوعن، ومن ثم تم تعميم الفكرة لدى المهندسين بالمدينة لتعم بذلك المنفعة».
ويضيف «كما شاركت في العام 2016م في معرض حضرموت للاختراع، والذي شارك فيه العشرات من المخترعين في محافظة حضرموت والوطن، وتحصّلت بفضل الله على الميدالية الفضية في ابتكاري للكرسي المتحرك متعدد الوظائف، وكنت سأحقق أكثر من ذلك لولا ضيق الوقت الذي قمت فيه بعمل الاختراع هذا، وأطمح الى إدخال تحسينات على هذا الكرسي لأشارك به في معارض عربية ودولية مستقبلاً».
ولا يزال لدى ذو الهمة، فايز الحرش، عدداً من الأفكار يعمل عليها ليشارك بها في أي معرض مقبل، ويحقق بها النجاح الباهر الذي يشرِّف به حضرموت والوطن، ويرفع رايته في المحافل العربية والدولية، وذلك لا يمثل لديه إلا مسألة وقت والقليل من الدعم»، كما قال في ختام حديثه الشيق و«المليء بالتفاؤل».

 

التعليقات