يعيش أبناء الجنوب اليوم أشد المعاناة على كافة الأصعدة الحياتية ويمرون بمرحلة لم يمروا بها حتى في زمن الاحتلال البريطاني وزمن سطوة عصابات المرحوم صالح.
وما زاد صعوبة معاناة أهلنا اليوم هو أن العابث بحياتهم وحياة أطفالهم، منهم ومن أبناء جلدتهم، ومبرر عبثية هذا العابث التشدق بتحريرهم. ولا يدرون ممن يحررهم ذلك الدعي طالما بريطانيا حملت عصاها ورحلت وعصابات عفاش تبحث عمن يعيدها إلى الحياة مرة أخرى.
صور العبث كثيرة في جنوبنا العزيز والبومها الملطخ بالدم، تنوء به العصبة أولو القوة من جور ما فيه، من المآسي والمظالم، فهذا يُقتل لأنه لم يتنازل عن حقه، وهذا يُقتل لأنه دافع عن كرامته وشرفه، وهذا يُقتل لأنه قال لا للباطل، وهذا يُنفى خارج الوطن لأنه اعترض على سلوك العصابات والمليشيات التي تهيمن على حياة العباد.
ومع كل تلك الصور السوداء في وطني نرى البعض يعبث بمئات الملايين لتلميع شخص أو مكون أو لمجرد شعوره أنه انكشف وان غطاء القاعدة الشعبية التي ليس لها وجود الا في مخيلته قد انقشع من على سوءته وبات مكشوفاً وضعيفاً.
أليس من الاسلم أن تتحول تلك الملايين إلى صناديق إغاثة الجنوب وأهله وانقاذهم من براثن المرض والجوع والتجهيل الذي يمارس ضدهم بمنهجية؟ ألم يكن من الاعقل أن يعبر هؤلاء الموهومون عن مصداقيتهم الثورية ويبتعدوا عن ممارسة ترف الفاسدين من رجالات السلطة في الممالك والإمارات؟
لا ريب أن مئات الملايين التي تُصرف على تجميل الأوثان وصناعة الأوهام هي الدليل الذي لا يقبل الشك على ارتزاق تلك المكونات وتلك الشخوص وسقوطها المزري واستسلامها لقوى خارج الحدود والمؤكد أن لكل ذلك ثمناً.
كل يوم يشهد مسرح الجنوب مسرحية هزلية جديدة وللأسف باسم الثورة وباسم الجنوب وقضيته، وأبطال تلك الهزليات يدركون جيداً أن الجنوب وقضيته براء من ادعاءاتهم فلو أن للجنوب وقضيته مكاناً في اجندتهم لما بُعثرت مئات الملايين على قارعة طرق رحلاتهم بحثاً عن المبايعة للحكم والجنوب يفتك به ثالوث المهانة والمرض والجوع.
عندما خرجنا ثواراً معاهدين أهلنا على استعادة الحق المسلوب ورفع الظلم انتهجنا السلمية وسيلة وهي من أوصلت صوتنا إلى العالم ولم يرد في خُلدنا أننا في يوم سنرى من يجعل من معيشة أهلنا وأمنهم وكرامتهم وسائل ضغط وأسلحة توصله الى اهدافه لأننا ببساطة نحمل في جوانحنا قلوبا ثائرة عامرة بالقناعة بالحق وبأخلاق الفرسان ولأن هذا الشعب قدم لنا الكثير فهو من فتح لنا البيوت ونحن مطاردون من عصابات صالح. وفتح البيوت ملاذاً لأبائنا في ثورتهم الأولى ولأن هذا الشعب لا يستحق إلا أن يعيش كريماً.
اليوم باتت معيشة وأمن وكرامة هذا الشعب سلاحا بيد ثوار «اللحقة»، وباتوا لا يتوانون عن قتل هذا الشعب لإحراج من يرونه محتلاً.
حقيقة تفرض نفسها وهي أن الثورة الجنوبية اُفرغت من محتواها وأهدافها وأن الصراع بات على من سينفرد بالجنوب ويستحوذ عليه. والدليل تلك الملايين التي يعبث بها البعض والتي لا تأتي من الإشتراكات الشهرية لأعضاء مكونات ذلك البعض ولا من المصانع والمعامل التي تحت أيدي هؤلاء ولكنها تأتي من خارج الحدود ثمناً لبضاعة يعمل دعاة الثورة كسماسرة لتسويقها للأخرين مقابل «شبح حكم»!
حدثني يوماً أحد الساسة العرب قائلاً «للأسف أنتم الجنوبيون تحت ايديكم جوهرة ولكنكم بدلاً من أن تعملوا على امتلاكها والسيادة عليها تحولتم إلى جماعات سماسرة تتسابق لبيعها مقابل الفتات لدول لم تعرفها الجغرافيا الا ببركة «سايكس بيكو».

 

التعليقات