عبد الحكيم الفقيه، شاعر يتشبث بالحياة والإبداع في زمن الحرب، هو الشاعر الأكثر تميزاً وفرادة ووخزاً ولوعة وقلقاً واغتراباً من بين جيله؛ وهو إذْ يتجاوز زمنه وجيله والجغرفيا التي يعيش فيها إبداعياً، برغم أنه لم يتمكن من نشر أعماله الإبداعية كلها، كما لم يتمكن من الحياة كما ينبغي، كغيره من المبدعين اليمنيين الذين يعيشون على هامش الحياة والموت والاغتراب.
وفي قصائده، وهو صاحب قصيدة «والحرب ما تركت للمداميك رصتها، والرصاصات ساخنة»، نبوءات بما يحدث الآن، وفيها استشراف للمستقبل، كما فيها إدانات عنيفة للواقع البائس، والخراب السياسي المهول الذي يعيشه الإنسان اليمني المذبوح من الوريد إلى الوريد، والاغترابات التي تلف البلد منذ أكثر من ألف عام. كما أن فيها إدانة قاسية للحرب وما تجره على الإنسان والأرض من شتات وألم يصعب نسيانه، إنه يدين الواقع المزري الذي جرّته الحرب الراهنة على البلد وعلى المثقف تحديداً.
يقول الفقيه في حديثه إلى «العربي»، إن «الحرب قذرة قضت بادئ ذي بدء على وسائل الثقافة، فلا صحف، ولا كتب، ولا كهرباء، وثمة نزوح وعدم استقرار، وغياب التواصل بين المثقفين، ولا صوت يعلو فوق لعلعة الرصاص»، ويضيف «يحاول الأدب والثقافة بشكل عام رفع صوت السلام لكن (لا حياة لمن تنادي)».
ويذْكُر أن «ثمة من غادروا البلد وحافظوا على إعلاء صوت المثقف والثقافة، وتلعب وسائل التواصل بديلاً تنفسياً في ظل القمع والحرب والإرهاب الذي أجبر البعض على صمت القبور وخصوصاً شعراء وكتاب ومثقفي الداخل اليمني».
إنجازات
وللفقيه المولود في 1965م مجاميع شعرية كثيرة، الأولى «رصيد الهواجس»، وهي بداياته الأولى لكنه لم يتمكن من طباعتها، وله مجموعة «أوراق من غصن الأرق»، وهي صادرة في العام 2009 عن «رابطة جدل الثقافية»، ومجموعته الثالثة «تحرسه الظنون» الصادرة قبل أسبوع عن «مؤسسة أروقة للدراسات والنشر والترجمة» في القاهرة، وهي مجموعة تضم –كما يؤكد الفقيه في حديث خاص له مع «العربي»- القصائد التي كتبها حتى عام 98 تقريباً. وهي إحدى وثلاثون قصيدة، معظمها يتحدث عن الأوضاع السياسية في تلك الحقبة، ورؤية الواقع والمأمول، ويهيمن عليها «تيمة الأسى والحزن»، الناتجة -كما يشير- عن «عدم تحقيق المأمول بسبب القمع والشتات وكأن الوجع الأبدي مكتوب على اليمنيين بل قدرهم».
ويؤكد أن الجديد الذي تحتويه هذه المجموعة يتمثل في «توثيقها لمرحلة معينة، وتقديم رؤية مختلفة نسبياً عن المطروح إلى حد ما».
خذلان
صاحب نصوص الرفض والإدانة يؤكد في حديثه أن لديه ما يربو على أربع مجموعات تالية تبحث عن ناشر، وهو ما يؤكد الخذلان الذي تعرض له من قبل وزارة الثقافة منذ العام 2004 حتى يومنا هذا، ويؤكد التحيُّز الذي تمارسه والانتقائية المفرطة، فقد تجاوزته الوزارات المتعاقبة برغم طباعتها الغث والسمين لمن هب ودبّ، ووسط اتهامات واسعة من قبل الأدباء والكتاب اليمنيين لطباعة وزارة الثقافة في عدن –مؤخراً- لأعمال مقربين من وزير الثقافة، من دون اهتمام بأعمال المبدعين لإبداعهم فقط، برغم تأكيد الفقيه في حديثه على أنه لم يطبع أعماله كاملة «بسبب الظروف وخصوصا المادية»، ويشدد على أنها «مازالت تبحث عن ناشر أو لحظة استقرار ورخاء وتحسن الوضع المعيشي في البلد».
لم يتوقف الخذلان على إهمال الجهات المعنية لنشر إبداعات الفقيه فحسب، بل يمتد الأمر إلى إهمال النقد لنتاجاته الإبداعية، وهو ما يؤكده بقوله: «بصراحة لم يهملني النقد عمداً فهو مهمل للإبداع في اليمن بشكل عام؛ والسبب أن النقد يستند على علائق شخصية أو مناسباتية في الغالب، بسبب انفعاليته وانطباعيته وعدم امتلاك معايير علمية دقيقة للحكم على النصوص».
ويشير إلى بعض الدراسات التي تناولت نصوصه بقوله: «ثمة نقاد تناولوا بعض قصائدي وأعتز بالتفاتتهم الكريمة، ومنهم المرحوم عبدالله علوان، والدكتور حاتم الصكر، والأستاذ أحمد محجوب، والأستاذ محمد ناجي أحمد والشعراء أحمد الفلاحي وأحمد السلامي وأحمد الوافي، والأستاذ بيان الصفدي. لكنها تناولات صحفية لم تتعامل مع إبداعاتي ككل متكامل في لحظة النقد تلك».
عبدالحكيم الفقيه شاعرٌ يستحق أكثر من وقفة، فنصوصه جديرة بالدرس والتحليل، وقبل ذلك جديرة بالنشر، وعلى الجهات المعنية أن تبادر إلى ذلك، لا سيما وأنها تقوم بنشر كتب في مجالات إبداعية وفكرية متعددة، فماذا سيضير إن قامت بنشر أعمال هذا العالم؟

التعليقات