بحضور خالد اليماني وزير خارجية «شرعية الرياض» في أوسلو، وظهوره عمداً إلى جوار بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، أرادت إسرائيل أن تقول إن «أمنها ومصالحها القومية» في البحرين الأحمر والعربي باتت في مهب أخطار جدِّية لم يعد مجدياً معها التزام تكتيك اللعب من الظل وعبر التواري خلف يافطات عربية وكيلة، وقد بات لزاماً على دول المنطقة العربية التكيف والإقرار بحقها في البروز السياسي العلني لواجهة مشهد الصراع في هذا المسرح المائي الاستراتيجي اليمني تحديداً، كدولة من دول المنطقة.
منذ البدء كانت إسرائيل حاضرة كلاعب عسكري وأمني مباشر لكن بغطاء من مشيخات البترودولار. وقد احتاج الزعيم الراحل جمال عبدالناصر –في وقت مبكر من عمر الصراع- إلى أن يلزم دول الخليج العربي بـ«لاءات ثلاثة» شهيرة في مؤتمر الخرطوم تضمنت عدم الاعتراف بكيان الاحتلال الصهيوني أو التفاوض معه أو الاستسلام له، واعتبر ناصر التزامها بهذه المحددات كافياً في الحد الأدنى مقابل انسحابه العسكري من اليمن، وإخلاء الساحة لها عقب «نكسة حزيران 1967» وطياً لخمسة أعوام من الحرب التي شنتها المملكة السعودية والمملكة الهاشمية في الأردن ونظام الشاه الإيراني وبرديف إسرائيلي في الظل؛ بغية السيطرة على القرار في صنعاء الجمهورية وإنهاء النفوذ الناصري السياسي والعسكري في اليمن.
كانت إيران حينها مسرح نفوذ وهيمنة غربية صهيوأمريكية بامتياز في وقت خسر خلاله الغرب بصورة شبه كاملة وصايته على مصر وقناة السويس، وفيما كان ناصر يرى أنه لا مناص من التدخل العسكري في اليمن لتدعيم قيمة قناة السويس ولحماية الجمهورية الوليدة من الوقوع في أيدي تحالف وكلاء الغرب وإسرائيل، كان الغرب ـ في المقابل ـ يرى أن سعي عبدالناصر هذا يمثل تهديداً سوفياتياً مباشراً لمنطقة المصالح الحيوية الغربية المطلقة في خليج البترودولار ولا يمكن السماح به، وقد أخفق ناصر إخفاقاً ذريعاً في هذا المسعى انتهى بانسحاب ما تبقى من قواته المستنزفة في اليمن بتفاهم مصري خليجي في مؤتمر الخرطوم.
في حرب السنوات الخمس ربحت الدول العربية الوكيلة وإيران معركتها في اليمن بالإنابة عن مصالح إسرائيل والغرب، لكنها تخسر اليوم وبشدة حربها العدوانية على يمن ثورة أيلول الجديد، في منعطف تاريخي إقليمي عادت معه ـ مصر ـ كسالفها مسرحاً غربياً مسلوب القرار بينما خرجت إيران كلياً من حظيرة الوصاية الغربية، لذا فإن نجاح ثورة أيلول 2014 في استعادة القرار الوطني بما يمثله اليمن من حجر زاوية جيوسياسي هام، سيعني تداعي بنية السيطرة الاستعمارية الوكيلة للغرب ليس في اليمن وحدها بل وفي خليج البترودولار ومصر وبقية المنطقة العربية، وظهور عالم جديد من التوازنات الدولية اللاغية للأحادية القطبية الأمريكية، أسهمت اليمن في تكوينه وباتت رقماً مميزاً فيه ولاعباً بالإنابة عن مصالح شعبها والقضايا الكبرى للأمة العربية والإسلامية.
ترتيباً على هذا الاستشراف لأفق الصراع بقراءة معطيات اللحظة الراهنة، فإن حاجة إسرائيل ككيان طارئ مهدد بتلك التداعيات يجعل حاجتها مصيرية إلى إعادة رسم خارطة اصطفافات عربية إقليمية بعقيدة نقيض لا يعود معها كيانها الغاصب نشازاً منبوذاً كعدو، بل حليف وصديق وحجر زاوية في مواجهة «عدو إيراني هو النشاز والطارئ المهدد لمصالح المنطقة العربية وللإسلام ذاته» طبقاً للتوجه الصهيوأمريكي القائم.
لا يكفي ـ إذن وترتيباً على ما سلف ـ أن تؤكد مصر مشاركتها في تحالف العدوان كحضور عسكري بحري حصراً بالإنابة عن الكيان الصهيوني، كما أنه لا جديد ولا قيمة مضافة من مقاربة إسرائيل لمصالحها عبر نوافذ التطبيع الخليجية العمانية والإماراتية والسعودية على استحياء فالوقت يأزف بتوقيت طاقة الوجود الإسرائيلي على الاستمرار في مشهد متداعٍ، ولا مناص من ضربة حظ سياسية عبر نافذة مغايرة هي «اليمن كختم مسروق لشرعية فندقية» تخمن تل أبيب أنه هدهد سليمان الذي سيجمع بين يديها «عرش بلقيس والهيكل المزعوم» معاً.. وهيهات هيهات.

التعليقات