موقع اليمن في سياق القضايا الدولية بدا واضحاً من خلال مؤتمر وارسو. المناقشات التي تمت على هامش المؤتمر بين وزراء خارجية الدول الأربع لم يرشح منها شيء سوى حملة تشهير بوزير خارجية حكومة «الشرعية» لأنه ظهر بجوار نتنياهو. دائماً يجيد المسؤولون الإسرائيليون وداعميهم الغربيين تشتيت انتباه العرب، كما يحرصون على إظهار قادتهم كخونة لقضيتهم المحورية؛ فلسطين.
لم تكن القضية الفلسطينية محور مؤتمر وارسو، لم تكن الحرب في اليمن أيضاً ولا سوريا ولا العراق ولا ليبيا. لقد كان مؤتمراً لبناء تحالفات جديدة مع واشنطن ضد إيران، وذلك ما كان عدد من خبراء السياسات بمعهد واشنطن، اقترحوه على مايك بومبيو قبيل جولته التي بدأت من مصر الشهر الماضي. تلك الزيارة التي وقف خلالها بومبيو في المكان الذي وقف فيه باراك أوباما لإلقاء خطابه الأول كرئيس للولايات المتحدة. وقد هاجم بومبيو بلهجة لم تخش الخروج عن الحصافة الدبلوماسية، سياسات الرئيس السابق في منطقة «الشرق الأوسط»، بما في ذلك توقيع الاتفاق النووي مع إيران.
رغم الحضور الذي تباهى به بومبيو في مؤتمر وارسو، إلاّ أن بعض الهشاشة أصابت أهميته بسبب الخلاف الأوروبي مع واشنطن بشأن الموقف من طهران. من المحزن فعلاً أن يتوافق موقف القادة العرب العدائي لإيران مع الموقف الأمريكي، في الوقت الذي تشكل فيه هذه القضية محور خلاف بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بريطانيا. مع ذلك، فإيران مطالبة في هذا الصدد بما هو أكثر من إبداء الاستعداد لتحسين التعامل مع دول الخليج. وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وإسرائيل، فليس من الحكمة أن يستمر الموقف الإسلامي والعربي في مزيد من التشظي والانقسام بشأن قضيتهم المشتركة. إذا كانت قضية فلسطين مهمة لإيران وتركيا والدول العربية، فما زالت الفرص تلوح واحدة بعد الأخرى للملمة شتات الموقف والمسعى، سيما في ظل ارتباك الدول الكبرى بأزماتها الخاصة.
 بالعودة إلى مؤتمر وارسو، الذي تمخض عن نتائج رمزية تكاد تنحصر في إبداء حسن النوايا تجاه الولايات المتحدة ومجاراة سياسات ترامب المتخبطة في المنطقة العربية، فهناك ما يمكن قوله بخصوص أن قضية الحرب في اليمن تمضي في قنوات أخرى.
رغم اشتراط بريطانيا مناقشة قضية اليمن على هامش المؤتمر، إلا أن بيان وزراء خارجية الدول الأربع لم يأت بجديد. توصيات مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي كانت أكثر وضوحاً وشمولية منه. وهي تتسق مع ما حملته إحاطة المبعوث الأممي مارتن جريفيث أمام مجلس الأمن أمس الثلاثاء، أكثر من اتساقها مع اللغة المكررة والضبابية لبيان «الرباعية».
في الواقع، هناك ضبابية مزمنة فيما يخص مقترحات الحلول السياسية للحرب في اليمن، غير أن اللافت بما يتعلق بآخر مناقشة في مجلس الأمن، كان تصريح مارك لوكوك عن أن الأزمة الإنسانية في اليمن لم تعد الأسوأ في العالم! انطلق هذا التصريح النابه بعد أسبوع فقط من تحذير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من "احتمال فقدان جيل بأكمله من الأطفال اليمنيين بسبب استمرار سوء التغذية". كما أن آخر الأرقام الأممية المعلنة عن عدد المتضررين من سوء الأوضاع الإنسانية في اليمن كان 24 مليون شخص. ما الذي تدخره السياسات الدولية لهذا الشعب اليتيم؟ هل كان قادة اليمن المنقسمون يعرفون أن حربهم ستدخل البلاد في هذا النفق المظلم؟ عليهم أن يدركوا الآن أن البلاد برمتها محصورة بين خيارين: استعمار أياً كان سياقه الجديد، أو استمرار الحرب.

التعليقات