من أعجب ما قرأت وصف إحدى الصحف المصرية للسلطان صالح بن غالب القعيطي بالكويتي، وذلك أثناء نشرها لخبر وفاته سنة 1956، وقد أشرت لذلك في مقال سابق وقلت هناك بأنه خطأ عائد لسوء قراءة اسم القعيطي الذي يبدو بالحروف اللاتينية وكأنه الكويتي، ومع ذلك فشتان بين سلوك صالح في قيادة سلطنته عن سلوك أمراء آل الصباح في الكويت.
فإذا كان السلطان صالح قد بنى لنا صرحاً وقصراً منيفاً في عهده، إلا أنه زرع في أساساته قنبلة موقوتة ما لبثت أن انفجرت في صرحه، وفي كل شيء بعد رحيله بعشر سنوات، وكانت تلك عاقبة كل من يبني بناءه على شفا جرف هار، لقد غدا عهد دولته كأضغاث أحلام، وكأساطير تتلى، لكن ليس لها في واقع الحاضر أي أثر يذكر، إذا استثنينا المكتبة السلطانية.
ولعل سبب ذلك أن صالح قد وضع بيضه كله في سلة واحدة، هي السلة الإنجليزية، بعد أن ارتضى بحماية المملكة المتحدة له، ومن ثم مكنها من فعل ما تشتهيه في بلده تحت تأثير الامتنان بالحماية، لقد غض النظر عن شرعنتها لتقسيم حضرموت ما بين سلطة في المكلا، وأخرى في سيؤون، ولكل منها جيشه الخاص، وتغاضى عن إنشاء المملكة المتحدة جيشاً منقوص التسليح يتصف بـ«الحضرمية» لكنه يدين للمتحدة بالولاء؛ لأنها هي من أسسته وتدفع راوتبه بعملتها، ولم يسمعوا نصح العقلاء بالاتصال بأطراف أخرى إسلامية وعربية بحجة الارتباط بقيود الحماية التي اهترأت مع موجات المد التحرري والقومي في العالم العربي آنذاك.
لم يستطع صالح لا هو ولا أسلافه أن يقوموا بمثل صنيع أمراء آل الصباح في الكويت، وهم الذين كانوا كذلك تحت الحماية البريطانية إلا أنهم مع ذلك مدوا جسوراً مع محيطهم الإسلامي ممثلاً بالعثمانيين الأتراك، والعربي ممثلاً بالجامعة العربية، فصمدوا بإمارتهم الصغيرة أمام رياح المتغيرات، وجعلوا منها دولة عصرية ما زالت سامقة رغم حراجة موقعها الجغرافي بجوار دولة عملاقة تدعيها، بينما حضرموت ذابت كفص ملح في كيان أصغر منها.
ولم تعوض سلطنة صالح بعده بشخصية فذة تنجو بها من إعصار ذلك المد، مثلما حصل مع سلطنة عمان بشخصية السلطان قابوس، الذي انتشل سلطنة أجداده من أوحال ذلك الإعصار، بل ضم إليها كياناً آخر من الجوار الحضرمي وألبسه الهوية العمانية، أما سلطنة حضرموت التي كانت كبرى سلطنات جنوب الجزيرة العربية فقد خلفها بعد صالح ذرية غير صالحة، بل ذرية ضعاف أصابها إعصار فيه نار الستينيات فاحترقت، ثم دفنت في رماد الهوية الصغيرة المجاورة.

التعليقات