من الاقتصاد وانهيار الريال مروراً بالجبهات وبيع السلاح وليس انتهاءً بالمجتمع والصعوبات التي تتلاطمه من كل حدب وصوب، تدور مروحة الفساد في البلاد، وفيما تستمر حرب «الأشقاء» المفروضة على اليمنيين لعامها الرابع على التوالي، بات السؤال يتمحور حول ماهية «العدو» الحقيقي؟ خاصة وأن البلاد تعيش حالة استنزاف كاملة، وهي تعاني من أسوأ كارثة إنسانية في العالم.
كثيرة ومتعددة هي الملفات التي سلطت الضوء على فساد المسؤولين في حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، فتارة تتكشف مؤامرة يقودها هوامير فساد لضرب الريال، مع ما يعنيه ذلك على الاقتصاد، وتارة أخرى تبرز صفقات على حساب العسكر، في عمليات بيع لأسلحة ومواد غذائية مخصصة للجبهات، وطوراً يرزح المواطن المقيم تحت عبء غياب المرتبات، في ضائقة لم يسلم منها المبتعثون حتى، أكان وجودهم في الخارج للعمل او التعلم، ولا تزال في الأذهان حاضرة صور الطلاب اليمنيين الذين اختاروا الانتحار في دول الابتعاث، بعدما منعت عنهم مستحقاتهم.
في المرتبة 176 من أصل 180، حل اليمن بين الدول الأكثر فساداً في العالم، بحسب «مؤشر منظمة الشفافية الدولية لعام 2018»، أي أنه جاء في المرتبة الرابعة، بعدما كان في المرتبة الخامسة العام الماضي (حل بالمرتبة الـ175 للعام 2017)، ما يكشف مستوى الفساد الذي ينخر بجسد الدولة؛ وفي هذا الإطار لا بد من التذكير بما طالب به المستشار الاقتصادي لرئيس الجمهورية ورئيس «اللجنة الاقتصادية العليا» حافظ ميعاد، لناحية ضرورة التحقيق في عمليات فساد حصلت في بيع وشراء العملة الصعبة، حيث بلغ حجم الفارق بين البيع والشراء 9 مليارات ريال يمني، خلال شهر نوفمبر الثاني الماضي، وهي حجم الخسائر في البيع والشراء للريال السعودي، وهو ما أدى لتدهور متواصل للريال اليمني.
وبحسب الوثائق التي نشرت حينها، تبين أن عمليات المضاربة كانت تتم على مرأى ومسمع من محافظ البنك المركزي في عدن محمد زمام، ما أسفر عن تدهور سعر صرف الريال اليمني، فارتفعت أسعار السلع بشكل جنوني، وأصيب الاقتصاد بخسائر فادحة.
المسؤولون عن حالة الفساد التي تجتاح البلاد لن يدخروا جهداً في إٍكات أي صوت قد يجرؤ على كشف تجاوزاتهم، وهو أمر بدا واضحاً بعد اغتيال رئيس فرق المراجعة المالية في الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة فيصل ضبيان، في الـ20 من الشهر الجاري، وذلك قبيل ساعات من تقديمه تقريراً يضم تفاصيل البسط على الأراضي التابعة للمنطقة الحرة والهيئة العامة للاستثمار في عدن.
هذه التجاوزات، التي اكتست ثوب العنف والدم، لم تكن الأولى من نوعها ولا الأخيرة، إذ تفيد المعلومات بأن الفساد وصل أيضاً لبيع الأسلحة التي تستحصل عليها القوات التابعة لـ«الشرعية» من قبل «التحالف»، إلى قوات حكومة «الإنقاذ»؛ في وقت كان يفترض بهذه الأسلحة الثقيلة والخفيفة والمتوسطة، أن تصل للجبهات، حيث تدور المعارك مع قوات «الإنقاذ» نفسهم.
وتفيد المعلومات بأن هذه العمليات لا تتم إلا بعلم ودراية من قيادات رفيعة وضباط في قوات «الشرعية»، يحصل ذلك في أسواق السلاح في عدن ومأرب، حيث يصار إلى نقلها لقوات «الإنقاذ» عبر شبكة كبيرة من التجار. فيما يتولى عدد من عناصر النقاط العسكرية التابعة لـ«الشرعية» تسهيل عبور تلك الأسلحة إلى المناطق الواقعة تحت «الإنقاذ».
وفي هذا الإطار، نعيد التذكير بما كشفه تحقيق لشبكة «سي أن أن»، عن أن أسلحة أمريكية مقدمة لكل من السعودية والإمارات وصلت إلى أيدي تنظيم «القاعدة»، موضحة أن تعز تمثل إحدى أبرز مناطق سوق السلاح الرائجة في اليمن.
ولم يقتصر الأمر على بيع السلاح، بل إن معلومات تفيد بأن الأغذية المخصصة للمقاتلين على الجبهات يتم بيعها في الأسواق، فضلاً عن استغلال قيادات عسكرية مرتبات المقاتلين في دهاليز السياسة، وقد بدا لافتاً هكذا أمر في مأرب على وجه التحديد؛ وهي وقائع تؤكد اشتراك قيادات ومسؤولي «الشرعية» في سفك دماء أبنائهم على الجبهات.
وكما في الداخل والميدان كذلك طال الفساد أبناء اليمن ممن ابتعثوا في الخارج، أكانوا من العاملين أو الطلاب الذي يسعون لتحصيل دراساتهم. وفي هذا برز اليوم ما ذهبت إليه سلطات «الشرعية» في تأخير صرف مستحقات الطلاب المالية منذ أكثر من 6 أشهر، وعدم تسديد الرسوم الدراسية لجامعاتهم.
هذا الواقع المأزوم يأتي على الرغم من الوعود المتكررة لمعالجة مشاكلهم، وقد باتوا يواجهون مشاكل مختلفة بسبب عدم انتظام صرف مستحقاتهم المالية منذ بدء الحرب، الأمر الذي تركهم في أوضاع صعبة أوصلت عدداً منهم إلى خيار الانتحار، تماماً كما حدث سابقاً في كل من الجزائر، ألمانيا، وماليزيا.
فيما يعجز القلم عن إحصاء نواحي الحياة التي ضربها الفساد في اليمن، بدءً من الاقتصاد، إلى العسكر، مروراً بسرقة المساعدات الإغاثية وليس انتهاءً بمخصصات المبتعثين وغيرها... تبدو البلاد أمام خطر داهم تسبب فيه أصحاب القرار بمختلف مستوياتهم، على أن الخاسر الدائم في دوامة الحرب والفساد هذه سيكون الوطن والمواطن.
(العربي)

التعليقات