أخيراً ها أنا ذا أكتب عن «ملكة الناصر» الصادرة ضمن مشروع المائة كتاب، بعد رحلة طويلة من المراسلة وعناء «النت اليمني» في زمن الحرب. أخيراً تحقق حلم نشر رواية صالح باعامر «ملكة الناصر» في زمن التسويفات»، ضمن مشروع وزارة الثقافة اليمنية «المائة كتاب» الذي يحظى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بعشرين عنوان منها صدر بعضها. ولهذا فإنني سعيد بصدور «ملكة الناصر» أكثر من سعادتي بصدور كتاب لي.
 تربطني وشائج كثيرة بالعلم الروائي صالح سعيد باعامر، فهو استاذي وزميلي وكلانا قد أدركته حرفة الأدب وكلانا من حضرموت ومن ساحلها بالتحديد. عتبة العنوان «الإهداء»: الى صاحبة الجلالة !، هل هي الملكة؟ أم هي الصحافة؟ عشق الكاتب الأزلي الذي ارتبط به منذ فجر شبابه في أول سبعينيات القرن الماضي. لاشك أن باعامر يقصد هذا الالتباس في عتبة المتن الروائي، ثم يُفصح عن صاحبة الجلالة في الإهداء باستهلاله الشعري حيث تظهر انها من لحم ودم   
من مقلتيها
سقت
ورقي
اخضرار حبرٍ
ومن الصدرِ
أهلة ولآلئ
مطر
وكتبتني توقاً
وشمساً وقمر...
ثم تلفحك حرارة العشق والتيه من عنونة الفصل الأول «الإنتظار» وهي لفظة تحيل الى العشق بالضرورة. ومن السرد العقلاني إذا جاز التعبير في حضرة صاحبة الجلالة «الصحافة» الى وله في حضرة صاحبة الجلالة «ملكة الناصر» حيث ينطلق باعامر الى:
«ما ضر لو جعلت كأسي مراشفها     **     ولو سقتني بصاف من محياها»
و: «هيفاء كالبان يـلـتـف الـنـسـيـم بـهـــا». وغيرها من أشعار الحب.
تقنيات رائعة تعبر عن نضج وقدرة السارد على السيطرة على فضاء الكتابة منذ مزواجة الوقت بين قصر الشيخ والموبايل والاتكاء على الامثلة الشعبية المحلية القديمة «قمر شعبان تكتمل فيه أوصاف الزوج المطلوب».. لكن عليه «أن يطرح يده في عشاه». كل ذلك الخليط الجميل والمفارقات الرائعة تؤكد أن باعامر ممسكاً بزمام فضائه السردي وأنه يمتعنا ويوثق لشخوص الرواية ولنا في الوقت ذاته.
بالإضافة الى ذلك فإن «ملكة الناصر» تنحاز كرواية الى موضوعات اجتماعية على قدر عال من الاهمية كموضوع حرية المرأة ودورها في الحياة العامة ومساواتها بأخيها الرجل ومكانتها كرفيقة وكزوجة. «هل الإنسان الذكر ذو عقلٍ كاملٍ والإنسان الأنثى ذو عقلٍ ناقص؟ هل الأول هو القادر على تبيان الحسن والثاني لا يستطيع أن يكون إلاّ تابعاً للأول؟ ألم يكن الثاني فيما مضى هو الأول والأول كان الثاني ولم يغد الأول إلاّ بعد استخدام عضلاته فغيّر أسلوب الحياة والعيش وأداة العمل والعلاقة بين الجنسين؟»
تضع الرواية نفسها في مقدمة الاعمال السردية اليمنية الإجتماعية التي تناولت دون مواربة قضية المرأة بكل فروعها وعناصرها وحقوقها، كقضية محورية في تقدم المجتمع او تأخره. كما تناولت بصورة أكثر وضوحاً قضية التراتب الاجتماعي وأثره على ان انعدام العدالة الاجتماعية وتخلخل النسيج الاجتماعي من خلال استعراض مسيرة حياة أحد أبطال الرواية «غابش مرجان» الشخصية التي لفظها المجتمع بسبب أصوله الاجتماعية. كما أن الرواية في تفاصيلها تعدّ وثيقة فنية رفيعة حول ثورة الشباب في 2011، وما مرت به البلاد قبلها من مآس وتشظيات كان سببها الاول والأخير «الشيخ والقصر».
هذه قراءة سريعة لمتن «ملكة الناصر»، للروائي صالح باعامر وتحية لها فقط، علّنا نتمكن من تفكيكها قرائيًا في الايام القادمة.

التعليقات