اعترفت الإمارات بسحب قواتها من اليمن، واضعة الخطوة في إطار استراتيجيتها الجديدة القائمة على "السلام". ويعتبر الإعلان الذي نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول إمارتي وصفته بالكبير، أول إقرار إماراتي رسمي بما ظلّ طوال أسابيع في خانة التكهّنات والتحليلات والتحليلات المضادة.
فقد نقلت الوكالة عن المسؤول الإماراتي قوله في دبي إن الإمارات تعمل على الانتقال من "إستراتيجية عسكرية" إلى خطة تقوم على تحقيق "السلام أولا".
وأوضح المسؤول الذي فضل عدم كشف هويته، أن "هناك انخفاضاً في عدد القوات لأسباب إستراتيجية في الحديدة وأسباب تكتيكية في مناطق أخرى"، مضيفاً أن "الأمر يتعلّق بالانتقال من (...) إستراتيجية القوة العسكرية أولا إلى إستراتيجية السلام أولاً".
أقوال تنتظر الأفعال
التصريح الإماراتي هذا، يأتي بعد ساعات على كشف الجيش اليمني في صنعاء عن أسلحة جديدة من ضمنها صواريخ كروز وطائرات مسيّرة بمديات بعيدة محلية الصنع.
التزامن بين الحدثين لا يعني بالضرورة أن خطوة الانسحاب الإماراتي بحدّ ذاتها مرتبطة بالكشف الجديد لصنعاء، والذي وُصف بالنوعي، لكن توقيت الإقرار بالانسحاب لا بد أنه مرتبط بشكل أو بآخر يهذا الكشف، بحسب ما تؤكد مصادر سياسية يمنية لـ"العربي".
تقول هذه المصادر إن إعلان أبوظبي عن الانتقال إلى خطة السلام في اليمن بدلاً من استراتيجية القوة العسكرية، لن ينتقل من خانة الأقوال إلى خانة الأفعال إلا إذا رافق هذا الانتقال مجموعة من الخطوات على القيادة الإماراتية اتخاذها لتثبت جدّية مسعاها.
الكفّ عن دعم وتمويل الميليشيات الجنوبية المتعدّدة الأسماء والمهام، والعمل على وقف الطلعات الجوية، ووقف الأطماع الاستراتيجية الإماراتية، هي خطوات يؤشر القيام بها أو عدمه إلى جدية الإعلان الإماراتي من عدمه، بحسب المصادر التي تقول أيضاً إن السعودية قد سبقت الإمارات بإعلان مماثل عندما أعلنت الانتقال من "عاصفة الحزم" إلى "إعادة الأمل"، غير أنها ماتزال ترتكتب المجازر بشكل شبه يومي.
وكانت الإمارات قد مهّدت لخطوة الإنسحاب عبر تنفيذ خطة إعادة انتشار في عدد من المناطق اليمنية، بالتزامن مع تصادر التوتر في الخليج.
ونقلت وكالة "رويترز" بنهاية يونيو الماضي عن أربعة مصادر دبلوماسية غربية قولها إن الإمارات بدأت تقلص وجودها العسكري في اليمن بسبب التهديدات الأمنية الناتجة عن تزايد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وذكر دبلوماسيان أن الإمارات سحبت بعض القوات من ميناء عدن الجنوبي ومن الساحل الغربي لليمن، وهي مناطق شكلت فيها وسلّحت قوات محلية تقود القتال ضد أنصار الله على ساحل البحر الأحمر.
ولا يعرف على وجه التحديد عدد القوات الإماراتية في اليمن، لكن أحد المصادر الدبلوماسية أكد لرويترز أن الإمارات سحبت كثيرا من قواتها في اليمن خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة.
وذكر الدبلوماسيون الغربيون أن الإمارات تفضل أن تكون قواتها ومعداتها قيد تصرفها تحسبا لتصاعد التوتر في الخليج، بعد الهجمات الأخيرة على ناقلات نفط.
مصير "التحالف"
ويفتح الإعلان الإماراتي عن الإنسحاب من اليمن، الباب واسعاً أمام التساؤلات عن مصير "التحالف" الذي تقوده السعودية في اليمن، وتُعتبر الإمارات أحد أهم أركانه.
ووصف معهد واشنطن للدراسات الانسحاب الإماراتي من اليمن بأنه نقلة إستراتيجية ربما تؤدي إلى عزل السعودية هناك، مرجحا أن يكون إقرارا من أبو ظبي بأنها لم تعد قادرة على تحمل مأزقها السياسي والعسكري والمالي باليمن.  
وكتبت الباحثة في برنامج بيرنشتاين للسياسة الخليجية والطاقة بالمعهد إلانا ديلوزييه بموقع المعهد؛ أنه من المؤكد أن يؤدي قرار الإمارات إلى توتر مع السعودية، التي يجب عليها الآن مراجعة نهجها إزاء الحرب في اليمن؛ ففي السابق صبرت الإمارات على مشقة مشاركتها في الحرب، واستمرت في الحفاظ على جبهة موحدة مع السعودية، لكن يبدو أن ذلك قد تغير لدى الإمارات لسبب أو لآخر، الأمر الذي يهدد بالتباعد بين البلدين، وخلق المزيد من التوتر بينهما في وقت عالي الحساسية بمنطقة الخليج.
تباعد غير مفاجئ
وأضافت أن التباعد بين البلدين مقلق، لكنه ليس مفاجئا أو غير متوقع؛ فرغم أن السعودية والإمارات حافظتا على صورة خارجية مشتركة، فإنه لا يوجد -عموماً- تنسيق بين قواتهما في اليمن يجعلهما تعملان جنبا إلى جنب، بل قامت قوات البلدين بتقسيم المسؤوليات بينهما.
آفاق الحرب
يبدو مشهد الوضع في اليمن قاتماً إذا ما تم النظر إليه عبر المنظار السعودي. إذ إنه ومع الإنسحاب الإماراتي، يكون على السعودية البحث عن شريك وثيق آخر يبدو من الصعب تعويضه.
فجهود السعودية المتواصلة لتأمين قوات برية تُساند القوات السودانية على الأرض في أكثر من جبهة، كانت تفشل على الدوام، إضافة إلى انكشاف الأرض في عدد من المناطق الجنوبية بعد الانسحاب الإماراتي، وتولي الميليشيات المدعومة من أبوظبي زمان الأمور هناك على حساب حكومة هادي المدعومة من السعودية.
وفي هذا السياق، تقول المصادر اليمنية لـ"العربي" إن السعودية اليوم تقف أمام عقبتين، الأولى تتمثل في دور الميليشيات الجنوبية الآخذ في التضخّم على حساب حكومة هادي، علماً بأن معظمها ينادي بالإنفصال، وقد تضطر الإمارات إلى زيادة حجم الدعم والتمويل لها لتحل محل قواتها المنسحبة. أما الثانية فتتمثل بمستقبل الحملة العسكرية المستمر ضد أنصار الله في صنعاء.
وعليه، ترجّح المصادر أن ترتفع الأصوات من داخل الفريق الدولي الداعم للسعودية في حربها على اليمن، المنادية بضرورية إعطاء مساحة أكبر للمبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريقيث، لإعادة الزخم إلى المبادرات السياسية من أجل محاولة إيجاد حلّ للأزمة اليمنية، بعدما جعلت المستجدات المسجّلة من الخيار العسكري، المفضّل بالنسبة للسعودية، عبئاً على السعودية وحلفائها على حدّ سواء.

(العربي)

التعليقات