في صبيحة 8 يوليو/تموز 1972 استهدفت المخابرات الإسرائيلية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني بتفجير سيارته في العاصمة اللبنانية بيروت، مما حول جسده إلى أشلاء، في عملية لا يزال صداها يتردد كلما حلت ذكرى استشهاده.
فبعد 47 عاما على رحيله لا يزال غسان كنفاني ملهما بطرق متعددة للمهتمين بسردية الشعب الفلسطيني من خلال منجزه الغزير في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والفن والمقالات والخطب السياسية وحتى آرائه النقدية في الأدب.
كتب كنفاني ملحمة الشعب الفلسطيني المعاصرة بدءا من النكبة والهجرة والمقاومة والاغتراب وحتى حلم العودة، وشكلت أعماله القصصية "سردية الشعب الفلسطيني".
وعلى مدى خمسة أيام تتواصل أعمال ملتقى فلسطين الثاني للرواية العربية التي انطلقت أمس بالتزامن مع ذكرى استشهاد كنفاني، وتشهد مشاركة نحو 45 روائيا وكاتبا ومترجما من مختلف الدول العربية في رام الله والبيرة وطولكرم وبيت لحم في الضفة الغربية.
وحضر كنفاني النكبة طفلا وعاش معاناتها التي رسخت مبدأ المقاومة في أدبه، وكتب عنها وعن سلسلة المآسي التي تلتها ليصبح أديب الهجرة واللجوء الفلسطينيين بامتياز، ومع ذلك رفض أن يمتلئ الأدب بالسلاح وخطب الشعارات، وقال "أن تكتب قصة قصيرة ناجحة فهذا أدب مقاوم".

مؤسس الرواية الفلسطينية
بدأ كنفاني بكتابة القصة القصيرة قبل بلوغه العشرين، ودرس في كلية الأدب العربي بجامعة دمشق، لكن ظروفه المعيشية الصعبة اقتضت سفره إلى الكويت حيث عمل في التدريس، وفي عام 1960 ترك التعليم للعمل ببيروت في صحيفة الحرية التابعة لحركة القوميين العرب.
وفي بيروت أصبح كنفاني أديبا شابا معروفا بانشغاله بالقضية الفلسطينية، وكتب قرابة 18 كتابا بين قصة قصيرة ورواية وعمل مسرحي وبحث، أبرزها روايته الشهيرة "رجال في الشمس".
وأصبح الأديب المناضل رئيس تحرير جريدة المحرر، ونشر لناجي العلي رسوماته الأولى بعد لقائه به في مخيم عين الحلوة، ثم أصبح رئيس تحرير مجلة الهدف الثورية بعد نكسة 1967.
وفي سنواته الأخيرة أصبح نشاطه السياسي بارزا باعتباره عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية، ورغم ضيقه بالعمل التنظيمي فقد ساهم في وضع الإستراتيجية السياسية للجبهة التي تركز على العمل الفدائي والكفاح المقاوم.
وبخلاف أعماله الأدبية ونشاطه السياسي كان كنفاني ناقدا أدبيا، فقد كتب عام 1966 دراسة بعنوان "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966"، وتناول الإنتاج الأدبي الفلسطيني بعد النكبة، والبطل العربي بين الأدب العربي والرواية الصهيونية، وعرض نماذج من الشعر الفلسطيني.
وألف كنفاني أيضا كتاب "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968" الذي نظّر فيه للتكامل بين المقاومة المسلحة والمقاومة الأدبية، معتبرا أن الشكل الثقافي للمقاومة مهم كالمقاومة المسلحة ذاتها.
ونشر كنفاني أيضا دراسته "في الأدب الصهيوني" التي درس فيها الأدب الصهيوني المكتوب أو المترجم بالإنجليزية، ونشر مقالات عدة تحت اسم "فارس فارس" المستعار.
وفي أعماله الأدبية نجح كنفاني في نقل حياة الفلسطينيين للعالم من خلال شخصيات روايته التي تعاني محنة اللجوء والنزوح في "عائد إلى حيفا"، ورحلة الهروب المميتة في "رجال في الشمس"، ومعاناة المرأة الفلسطينية في رواية "أم سعد".
وبرز كنفاني في مطلع السبعينيات متحدثا باسم الجبهة الشعبية التي كانت قد اختطفت ثلاث طائرات من مطار أردني، للمطالبة بإطلاق سراح ليلى خالد والمعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل، وعرف كذلك بعلاقاته الدولية الواسعة مع منظمات ثورية عالمية وحركات تحرر كانت حليفة للجبهة الشعبية في تلك الحقبة.
عائد إلى حيفا
كانت أعمال كنفاني الإبداعية تدور في فلك القضية الفلسطينية، وكان موطنه الفلسطيني حاضرا بقوة في قصة شخصياته الأدبية، خاصة "عائد إلى حيفا" التي تجسد رغبة سعيد وزوجته في العودة إلى بيتهما الذي تركاه وفيه طفل صغير بزمن النكبة.
ورغم تناول القصة في عملين سينمائيين حصدا جوائز عالمية ومرور نصف قرن على نشرها للمرة الأولى فإن الرواية لا تزال تعتبر واحدة من أهم كلاسيكيات الأدب الفلسطيني التي تجسد مفهوم الوطنية وقسوة الظروف عبر تراجيديا سعيد وعائلته.
ولا يزال مؤلف "عائد إلى حيفا" محور الحكاية والرواية الفلسطينية ومصدر الإلهام للأدباء المعاصرين، وأرخ كنفاني أيضا للاجئ الفلسطيني ومزج في "أرض البرتقال الحزين" بين معاناة اللاجئ الفلسطيني وسيرته الذاتية. 
وفي ذكرى اغتياله تطوف اقتباساته مواقع التواصل الاجتماعي لتعبر عن راهنية كنفاني الأديب والمفكر الذي رحل عن عالمنا قبل أن يكمل ثلاثا من رواياته، هي "العاشق"، و"الأعمى والأطرش"، و"برقوق نيسان" والتي نشرت بالفعل بعد استشهاده غير مكتملة. 
وترك كنفاني وراءه زوجته الدانماركية التي انضمت للمناضلين من أجل فلسطين، وطفليه فايز وليلى، إضافة إلى رصيد من الأعمال الأدبية ترجم بعضها إلى لغات أجنبية، منها "رجال في الشمس".

(الجزيرة)

التعليقات