لا تزال ظاهرة الفساد الذي يعتري العمل الإنساني والإغاثي في اليمن تتكشّف فصولاً، على رغم محاولات المنظمة الدولية التعمية عليها بتوجيه أصابع الاتهام إلى صنعاء. وفقاً لمعطيات كشفتها حكومة الإنقاذ أخيراً، ووثائق متعددة حصلت عليها «الأخبار»، يَثبت أن وكلاء الأمم المتحدة في هذا البلد الفقير لا يتورّعون عن تبديد المساعدات في مشاريع وهمية، أو لمصالح شخصية، أو حتى لِمَن يربّون كلابهم، فيما يعاني نحو 28 مليون يمني الجوع الشديد، ولا يلقون من «برنامج الغذاء العالمي» سوى مساعدات فاسدة.
تسبّب انحراف مسار المساعدات الدولية لليمن باندلاع أزمة بين المنظمات العاملة في المجال الإنساني وحكومة صنعاء، بعد محاولة الأخيرة ضبط هذا المسار، وتوجيه التمويل نحو تخفيف معاناة الشعب اليمني المتصاعدة جرّاء العدوان والحصار. محاولةٌ يكمن في خلفيتها استمرار المنظمات التابعة للأمم المتحدة في تبديد المساعدات المالية التي يقدّمها المانحون في مشاريع وهمية وأخرى غير ذات جدوى، وتخصيصها رواتب باهظة لخبراء أجانب، فضلاً عن استحواذها على أكثر من 80% من قيمة تلك المشاريع كنفقات تشغيلية.
هذه الأزمة، التي تفيد مصادر مطلعة في صنعاء بأنها لا تزال من دون حلول في ظلّ استمرار المنظمات في تنفيذ مشاريع بالغة الكلفة واتباع آليات ثبت فشلها في التخفيف من معاناة اليمنيين، دفعت «المجلس الأعلى لتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي» في صنعاء إلى إماطة اللثام عن الكثير من الحقائق، وكشف عمليات الفساد الأممي في بلد يعيش أسوأ الأوضاع الإنسانية في العالم، إذ كشف المجلس، في مؤتمر صحافي عُقد أخيراً، أن 2.3 مليار دولار ادّعت المنظمات الدولية أنها أنفقتها على مشاريع إنسانية لعدد من الوزارات (كالتربية والتعليم والصحة والمياه والزراعة)، وكذلك على مساعدة النازحين، لا يُعلم مصيرها. وطالب المجلس، المانحين، الذين كانوا سلّموا الأمم المتحدة 4.2 مليار دولار وفقاً لـ«خطة الاستجابة الإنسانية» منذ مطلع العام الجاري وحتى 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بفتح باب التحقيق في شأن تلك المساعدات، والتأكد من صحّة المشاريع التي ادّعت المنظمات تنفيذها. ونفى صحة الأرقام التي أوردتها الأمم المتحدة عن حجم الإنفاق على العمل الإنساني في اليمن، متهماً إياها باستغلال الوضع في هذا البلد من أجل ممارسة العبث المالي. كما تطرّق المجلس إلى استمرار «برنامج الغذاء العالمي» في إرسال شحنات فاسدة إلى اليمن، واستمرار منظمات دولية أخرى في تصدير أدوية منتهية الصلاحية، متهماً «المنظمة الدولية للهجرة» بنهب الأموال المخصّصة لنقل اللاجئين إلى بلدانهم، وعدم وفائها بالتزامها في هذا الجانب. كما كشف عن وجود تلاعب كبير في الوقود المعتمد في «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن»؛ إذ من أصل 15 مليون ليتر من مادة الديزل، لا تصرف المنظمات سوى 3.4 ملايين ليتر. وفي ردّه على اتهامات مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة، أورسولا مولر، في إحاطتها المُقدَّمة إلى مجلس الأمن أواخر الشهر الماضي، أكّد المجلس أن الأمم المتحدة لم تلتزم بأيّ اتفاقية تمّ توقيعها معها خلال العام الجاري، موضحاً أن المشاريع التي تدّعي المنظمة الدولية عرقلتها من قِبَل صنعاء تصل نسبة النفقات فيها إلى 80% من تمويل المشروع، ولذا فهي غير ذات جدوى، معتبراً أن الهجوم الذي تعرّضت له صنعاء في مجلس الأمن يهدف إلى التغطية على حجم الفساد الذي تمارسه المنظمات الدولية.
وحصلت «الأخبار» على وثائق تكشف اعتذار عدد من المنظمات، كمنظمتَي «كير» و«أوتشا» و«برنامج الغذاء العالمي» و«اليونيسيف»، لحكومة الإنقاذ في صنعاء، عن مخالفات ارتكبتها، فضلاً عن أخرى تظهر قيام بعض المنظمات بتنفيذ مشاريع وشراء مواد بمواصفات سيئة. ووفقاً لمصدر مقرب من حكومة الإنقاذ تحدث إلى «الأخبار»، فإن منظمات دولية تقف وراء تلقيح الملايين من الماعز والضأن خلال الفترة الماضية بلقاحات ملوّثة، أدت إلى إجهاض كلّ الماعز من الإناث، وتسبّبت بتراجع إنتاج اللحوم الحمراء في اليمن بنسبة 50%، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار اللحوم إلى أكثر من 10 دولارات للكيلو الواحد. وأشار المصدر إلى تشكيل الجهات المعنية لجنة مختصة لمتابعة الخسائر وفحص المحاليل المستخدمة في تلقيح الثروة الحيوانية من مرض «الجدري»، كاشفاً في هذا الإطار أن المنظمات موّلت مشاريع تلقيح الثروة الحيوانية بمئات الملايين من الدولارات، لكن تبيّن أن اللقاح الذي أُعطي لقرابة 4.8 ملايين رأس من الأغنام والضأن والأبقار في مختلف المحافظات هو لقاح فاسد.
تضاف إلى ما تقدّم ظاهرة توزيع المساعدات الغذائية الفاسدة، والتي بلغت ذروتها في خلال العام الجاري، باعتراف عدد من المنظمات الدولية. ووفقاً للتقارير المُقدّمة من الأخيرة إلى «مجلس تنسيق الشؤون الإنسانية» في صنعاء، فقد ثُبت قيام المنظمات بتخصيص جزء كبير من المساعدات لمكاتبها الرئيسة والإقليمية في الخارج، وإنفاق ما تصل نسبته إلى 60% على النفقات التشغيلية والأثاث والدعم، إلى جانب رصد مبالغ ضخمة لعمليات توزيع المساعدات الإغاثية والرقابة عليها والمسوح اللازمة والدعم المباشر وغير المباشر للمنفذين بشكل عبثي. على سبيل المثال لا الحصر، رَصَد «برنامج الغذاء العالمي» 599 مليون دولار كتكاليف توزيع وإشراف ومسح لعام 2019، بالإضافة إلى 80 مليون دولار لنقل المساعدات، لكنّ الغريب أن البرنامج أنفق قرابة 50 مليون دولار على 8 موظفين كرواتب لـ11 شهراً فقط. وعلى رغم تصاعد تحذيرات الأمم المتحدة من تفشّي الجوع في اليمن، وتأكيدها أن هناك 10 ملايين يمني من أصل نحو 28 مليوناً يعانون الجوع الشديد، لا تزال المنظمات الدولية تنفق مئات الآلاف من الدولارات على مربّي كلاب ممثّليها في اليمن، وأكثر من 129 مليون دولار على طيرانها الذي بات الوحيد الذي يحلّق في سماء صنعاء سنوياً، فضلاً عن 150 مليون دولار قيمة شراء بسكويت مدعّم بالفيتامين يُوزَّع في بعض المدارس في البلاد، وهو مبلغ يكفي لإنشاء ثلاثة مصانع للبسكويت. ووفقاً لمصدر في «مجلس الشؤون الإنسانية»، فإن تكاليف الإنترنت الخاصة بـ«برنامج الغذاء» بلغت خلال عام واحد 2.2 مليون دولار.
وبحسب الوثائق التي حصلت عليها «الأخبار»، فإن المنظمات الدولية مارست صوراً متعددة من الفساد، ووصل بها الأمر إلى طلب إعفاءات جمركية تمّ منحها إياها بالفعل، ليتضح لاحقاً أن الإعفاءات ذهبت لمصلحة تجار محليين، وليس لخدمة المساعدات الإنسانية، فضلاً عن المبالغة في شراء الوقود، أو عقد اتفاقات مع منظمات محلية لتنفيذ مشاريع أو شراء سلع بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية في السوق. وفي هذا الإطار، تفيد المصادر بأن «برنامج الغذاء» خطّط لشراء مادة الديزل من الخارج في عام 2019 بـ92 سنتاً لليتر الواحد، بما لا يشمل تكاليف النقل ولا الضرائب والرسوم الجمركية التي هو مُعفى من دفعها، فيما بلغ سعر ليتر الديزل في السوق اليمنية لعام 2019 نحو 66 سنتاً، تشمل الضريبة والرسوم الجمركية وتكاليف النقل والأرباح، ما يعني تكسّب «البرنامج» من الفارق المالي الكبير بين السعرين.

 

(رشيد الحداد - الأخبار)

التعليقات