ظهرت علامات البؤس والتعب على ملامح المواطن اليمني محمد العديني، الذي عبّر بغضب وصوت مرتفع عن حالات الغلاء التي طغت على أسعار المواد الغذائية الأساسية، واستغلال تجار محتكرين للأزمة لرفع أسعار السلع الموجودة في المخازن منذ فترة طويلة، دون سابق إنذار أو مسوغ قانوني، سوى استغلال أي أزمة طارئة.
ويواصل العديني حديثه لـ"العربي الجديد"، بالقول إنّ "ظروف الناس الذين يرزحون تحت لهيب الأسعار دون رواتب منذ سنوات صعبة، إضافة إلى وجود احتكار وتجار بلا رحمة ولا إنسانية يستغلون أي أزمة في استنزاف واستهلاك اليمنيين بصورة غير طبيعية".
وتشهد الأسواق اليمنية تصاعداً مستمراً في أسعار السلع الغذائية الأساسية المستوردة، والمنتجات المحلية من الحبوب، مدفوعة بتراجع قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وزيادة الطلب على شراء السلع جراء مخاوف الناس من وصول فيروس كورونا إلى اليمن، وسط غياب شبه تام لأجهزة الرقابة والجودة.
ورصدت "العربي الجديد" ارتفاع سعر كيس الدقيق (50 كيلوغراماً) بنحو 2000 ريال، إذ زاد سعره من 13 إلى 15 ألف ريال (الدولار= 250 ريالاً)، إضافة إلى ارتفاع أسعار سلع غذائية واستهلاكية أخرى مثل زيت الطبخ والسكر والأرز بنسبة تتعدى 200%.
ويشكو مواطنون في معظم المناطق اليمنية من الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية الرئيسية، خصوصاً الدقيق والأرز والسكر والزيت منذ مطلع الأسبوع الحالي.
وعبّر المواطن صالح نصار، من سكان مدينة رداع في محافظة البيضاء وسط اليمن، عن دهشته من ارتفاع الأسعار بشكل غير طبيعي في منطقتهم، وهو ما دفعه وآخرين إلى التوجه إلى صنعاء (شمال) "على بعد 242 كيلومتراً" من البيضاء لتلبية احتياجاتهم من السلع الغذائية الضرورية، لأن هناك فارقاً سعرياً عمّا يباع في أسواقهم بنسبة تزيد على 150%، إضافة إلى عدم توافر بعض السلع التي لا يجدونها إلا في صنعاء، حسب قول نصار لـ"العربي الجديد".
أما المواطن باسم الضالعي من سكان عدن (جنوب) فيعبّر بسخط عن "جنون" الأسعار في العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية واستغلال أحوال الناس الذين وقعوا بين أزمتين: كورونا من ناحية، واقتراب رمضان من ناحية أخرى، في رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
وحسب تأكيدات الضالعي لـ"العربي الجديد"، إن معاناة الناس في عدن مضاعفة بسبب العشوائية الحاصلة في الأسواق والمزاجية في تحديد الأسعار التي تزيد بنسبة كبيرة مقارنة بمحافظات ومناطق يمنية أخرى.
وبينما عزا مسؤول في الغرفة التجارية بعدن أسباب ارتفاع الأسعار في العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية إلى عودة المغتربين بكثرة في الفترة الماضية، إضافة إلى قلة العرض وارتفاع الطلب على السلع الغذائية والاستهلاكية، أكد الباحث الاقتصادي والأكاديمي في جامعة عدن، حسام عبد الناصر، سبباً آخر رئيسياً لما تشهده الأسواق من ارتفاعات سعرية متواصلة، وهو متمثل بتفشي ظاهرة الاحتكار التي تعاني منها الأسواق.
وأكد عبد الناصر لـ"العربي الجديد" أن هناك عدداً قليلاً من التجار يتحكمون في الأسواق اليمنية ويحتكرون استيراد أهم السلع الأساسية الغذائية والاستهلاكية، وبالتالي انعكس هذا الاحتكار ممارسات استغلالية في التحكم بالمعروض من السلع ورفع الأسعار، وهي تصيب في النهاية المواطن اليمني وتُثقل كاهله بأعباء باهظة.
ويصف مراقبون الإقبال الكبير على الأسواق حالياً بأنه جزء من طقوس سنوية أعتادها المواطن اليمني قبيل حلول رمضان، أو مواكبة لأي أزمة تطفو على السطح.
وأوضح الباحث الاقتصادي، صادق هزبر، أن الأسواق تشهد حركة واسعة من قبل المواطنين للتزود بالسلع والمواد الغذائية والاستهلاكية الضرورية تحسباً لأي حالات طوارئ وحظر قد تفرضه السلطات المتعددة في البلاد، في إطار إجراءاتها الاحترازية لمكافحة فيروس كورونا، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان، إذ يسعى الناس إلى التزود باحتياجات رمضان الغذائية مبكراً، في إطار توجسهم من فرض أي حالة حظر وطوارئ في البلاد، حسب حديث هزبر لـ"العربي الجديد".
وعبّرت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك عن تطلعها إلى انخفاض مؤشرات أسعار السلع الغذائية للمستهلك خلال الأيام المقبلة قبل حلول شهر رمضان.
وأكدت في بيان صدر أخيراً، أن انخفاض أسعار المشتقات النفطية سينعكس على أسعار المواد الغذائية المستوردة من حيث تكاليف النقل الخارجي البحري للسفن والبري للقاطرات، وكذا النقل الداخلي للبضائع بين المدن وانخفاض أسعار المنتجات المحلية الصناعية والزراعية وغيرها من المنتجات.
وحسب الجمعية، إن الانخفاض في أسعار الدولار لتغطية عملية استيراد السلع الأساسية سيؤدي إلى انخفاض الأسعار، متوقعة أن يكون الانخفاض في أسعار السلع الغذائية الأساسية ما بين 15 و25% من الأسعار الحالية.
وفي السياق، أفاد رئيس الجمعية اليمنية لحماية المستهلك، فضل منصور، عدم وجود مبرر لاستمرار الأسعار السائدة حالياً بسبب هذه المتغيرات، مشدداً على أهمية التزام المواطنين الهدوء والتأني وعدم الشراء في الوقت الحاضر، والاستفادة من التغيرات الحاصلة التي ستكون لمصلحة أسعار المستهلك النهائي.
ورصدت النشرة الشهرية لمراقبة الأسعار في السوق اليمنية الصادرة عن منظمة "الفاو" بالتعاون مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي، استمرار تصاعد أسعار السلع خلال الأسبوع الحالي مقارنة بالأسبوع الأول من الشهر الماضي، إذ زاد السكر 7.3% والأرز 4.5%، ونحو 4% للدقيق، و2.8% لحبوب القمح وأقل من 2% للأرز "البسمتي"، وذلك وفقاً للبيانات السوقية التي تُجمَع من 21 محافظة، والتي تزيد بذات النسبة لكل سلعة كلما ارتفع نسق الإجراءات الاحترازية من كورونا واقتربنا من شهر استهلاكي مثل رمضان.
وعلى الرغم من الوفرة الملحوظة للسلع الغذائية المستوردة الخاضعة للرصد، تأثر ارتفاع الأسعار جزئياً بأزمة السيولة والتقلب غير المنضبط لسعر الصرف الذي لوحظ بين المحافظات الجنوبية والشمالية من اليمن.
وسجلت أسعار الحبوب المنتجة محلياً زيادة في معظم المناطق اليمنية، حيث ارتفع متوسط سعر التجزئة بشكل طفيف بنسبة 1.1% للذرة الشامية، وبنسبة أقل من 1% لكل من الدخن والذرة الرفيعة والشعير.
في المقابل، استمرت تكلفة السلة الغذائية المساعدة على البقاء على قيد الحياة لعدد 7 أشخاص في الارتفاع نهاية الشهر الماضي، مسجلةً 38 ألفاً و758 ريالاً، أي ما يعادل 62 دولاراً، وبزيادة قدرها 3% في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي.
وارتفعت تكلفة السلة الغذائية بشكل ملحوظ بنسبة 123% مقارنة مع تكلفتها بأسعار ما قبل الحرب، وتحديداً في فبراير/ شباط 2015، فيما انخفضت بنسبة 1% مقارنة بالشهر المقابل مارس/ اَذار 2019. وتجاوزت تكلفتها 40 ألف ريال في تسع محافظات.
وتتكون السلة الغذائية المساعدة على البقاء على قيد الحياة لـ7 أشخاص شهرياً، المعتمدة من قبل كتلة الأمن الغذائي والزراعة، من 75 كيلوغراماً من الدقيق الأبيض، و10 كيلوغرامات من الفاصوليا الحمراء، و8 لترات من زيت الطبخ النباتي، و2.5 كيلوغرام من السكر، وكيلوغرام واحد من الملح.
وسجلت سقطرى (جنوب شرق) أعلى تكلفة للسلة الغذائية عند 46 ألفاً، ما يعادل 74 دولاراً، تليها تعز (جنوب غرب) بسعر 44 ألفاً.

(محمد راجح - العربي الجديد)

التعليقات