تتعمّد الأنظمة المستبدّة، على مرّ التاريخ، أن تنتج وسائل مختلفة لإلهاء الناس وإشغالهم بأنفسهم، كي لا ينتبهوا لمساءلة السلطات عن حقوقهم السياسية والإقتصادية والإنسانية. من تلك الوسائل اصطناع الخوف وملاحقة الشعوب به، حتّى يرضخ لما يطلب منه، أو التساهل في منع المكيفات وأدوات التخدير التي تعمل على إلهاء العامّة واستكانتهم إلى الكيف لنسيان المعاناة اليومية المتجدّدة، أو بافتعال الأزمات المتعلّقة بحاجات الناس الأساسية المتعلّقة بمأكلهم ومشربهم وملبسهم وخدماتهم الأساسية. تقول الفيلسوفة الألمانية "إن الإنسان لا ينبثق كذات جديرة بسلوك أخلاقي، إلا اعتباراً من اللحظة التي يكفّ فيها عن التعبير عن حاجات جسده الضرورية". فلا يمكن لهذا الإنسان أن يبدع أو يقوم بأي عمل ذي شأن طالما بقي أسيراً لملاحقة حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب وملبس، وطالما بقي يلاحق بغية الحصول على الوقود والطاقة وغيرها، فإنه لن يأبه للسلطة ولا للحقوق السياسية ولا غيرها، ولن يهمّه في الأمر شيء، سواء كانت تلك السلطة تمثّله ومنطلقة بحسب إرادة، أو جاءت بها ظروف استثنائية بانقلاب عسكري، أو ديمقراطية مزوّرة.
لقد فهمت الأنظمة في اليمن هذه النقطة جيداً، وعملت على استثمارها بالصورة الأمثل، فحوصر المواطن بعدد من القضايا الأساسية، إذ ظلّ على مدى العقود السابقة يلاحق من أجل الحصول عليها، فكان الهمّ الأول والأخير لأغلب الشعب هو الحصول على المأكل والمشرب والمطالبة بتحسين الخدمات التي تتردّى يوماً عن يوم، فيصبح بعد ذلك الهدف، بدلاً من التحسين، هو العودة بها من مرحلة سيئة إلى مرحلة أقل سوءاً. فلم يعد المواطن يفكّر كيف يبدع ولا كيف ينتج الجديد ولا كيف ينافس العالم، بل كيف يحصل على حاجات جسده الأساسية، ناسياً أن كل هذه القضايا هي إحدى منتجات النظام نفسه.
إلى جانب القات، كمخدّر أساسي في اليمن، كانت الكهرباء إحدى هذه الوسائل لتخدير الشعب، بداية من الوعود التي كان يقطعها النظام بين الحين والآخر لتحسينها، في حين أنها كانت تزداد تدهوراً، ذلك أن الكهرباء كانت في الأصل لا تقوم في مشاريعها بناء على خطط واستراتيجيات وطنية، بل على عقود وصفقات مشبوهة، تعمل على تسميد شجرة الفساد، حتى أصبحت هذه الشجرة متجاوزة لبناء الدولة ذاته، ومع تقلّب الأنظمة، قبل وبعد 2011، ما زالت هذه الشجرة هي المتحكّمة بهذا الملف الشائك الذي لا يعرف أحد أين تضرب جذوره. لقد كانت الكهرباء وما زالت في أغلب مشاريعها تقوم على ما يسمّى بيع الطاقة، حيث تعطى عقود بيع الطاقة لعدد من الأشخاص الذين هم في الحقيقة شركاء المتنفّذين في الدولة، ليستوردوا أو يتعاقدوا مع شركات أجنبية، لتوفير مولّدات مؤقّتة تبيع الطاقة للدولة بأضعاف مضاعفة، في حين أنه كان بالإمكان عمل قروض بربع هذه المبالغ، وعمل محطّات ثابتة لن تكلّف الدولة عشر هذه التكلفة، كما أنها ستظلّ محطّات ثابتة بيد الدولة للمستقبل.
إن الهدف الحقيقي كان مصلحة نافذين محدودين وليس خدمة المواطن، للأسف ما زالت هذه الفكرة حتى اللحظة فعدد من المحطات العاملة في اليمن حاليا، ما زالت خيوط النفوذ هي التي تحكم أداءها، حتى لا تستطيع أي سلطة حتى الآن أن تتحكم بها، إذ ربما ترى بعض السلطات أنها بهذه الخدمة يمكن أن تستطيع أن تلهي المواطن عن حاجات أخرى، فستظل تتلاعب بهذا الملف حتى تنجز اللعب على ملفات أخرى أكثر خطورة، في غفلة من المواطن هذا الذي لا يراد له مطلقا المشاركة في صنع قراره ولا المشاركة في تقرير مصير مستقبله.
التعليقات