تمثّل المدن والمحافظات اليمنية الواقعة في كنف الجيش اليمني واللجان الشعبية، آخر المساحات الممكنة في الجمهورية لحياة آدمية بالحدّ الأدنى، وآخر الحواضن لتعايش دافئ بدرجة كبيرة بين مكوّنات الطيف الإجتماعي، على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية، رغم ضراوة الحصار المفروض على البلد، منذ بدء العدوان في مارس 2015.
حتّى بعض أولئك المنخرطين في العمليات القتالية التي يقودها ما يسمَّى "تحالف إعادة الشرعية"، لا يتردّدون في الدفع بعائلاتهم للإقامة في مناطق سيطرة من يصفونهم بـ"الإنقلابيّين"، توخيّاً لسلامتهم.
وحيث باتت السحنة واللهجة والمنطقة معياراً لفرز النسيج الإجتماعي إلى أصيل ودخيل في المدن "المحرّرة" مجازاً، فإن المدن التي لم "تتحرّر" بعد باتت هي الملاذات الوحيدة الناجية من مقاصل هذا الفرز المقيت، والمشرّعة بعفوية وودّ أمام كلّ السحنات واللهجات والمناطق.
لقد حطّ معظم النخبة من فنانين وإعلاميّين ومثقّفين وشخصيّات اجتماعية رحالهم في صنعاء، بعد أن لفظتهم مدنهم ومحافظاتهم التي انتصرت فيها "الشرعية"، فاكتظّت بخليط من الأغراب وأعداء الحياة القادمين من كلّ حدب وصوب، وضاقت بأبنائها.
عدن التي فتحت ذراعيها ذات يوم لـ"محمود درويش" و"أدونيس" و"سعدي يوسف" و"جعفر حسن"، هي ذاتها عدن التي أجهزت اليوم بمخالبها المستعارة على الفنان "عوض أحمد"، ولفظته جثّة هامدة أمام منزله دون متّهم ودون محاضر تحقيق ودون نعي.
كما أن تعز التي أوقعت الرحّالة الأوروبي "نيبور"، و"أمين الريحاني"، و"نجيب محفوظ"، في شباك غرامها، هي تعز التي نبذت اليوم الفنّان الكبير وملحّن النشيد الوطني للجمهورية اليمنية "أيّوب طارش عبسي"، خارجها، وضاقت ذرعاً بضريح الشيخ الشاعر المتصوّف "عبد الهادي السودي"، واتسّعت في المقابل لطيور الظلام وكتائب الموت والصعاليك وحماة العقيدة ودعاة الكراهية والعنصرية من كلّ صنف.
يلزمك فقط أن تكون إنساناً لتقرّر أن مدن ومحافظات "الشرعية المنتصرة"، أمست محض خرائب ينعق في جنباتها بوم "القاعدة" و"داعش"، وثمّة اليوم أصوات شتّى عجز أصحابها أن يتحرّروا من شرانق المصالح الزقاقية، لا تزال ترى في هذا الخراب مشروعاً يتعيّن تعميمه على كامل الخارطة، بقوّة الترسانة العسكرية لتحالف دول العدوان، تحت يافطة "إعادة الشرعية والأقلمة".
إن موجات النزوح المثابر لآلاف المواطنين من محافظات الجنوب اليمني وتعز جنوب غرب اليمن، إلى العاصمة صنعاء، إلى مناطق نفوذ الجيش واللجان الشعبية، هي بمثابة استفتاء شعبي يومي صامت، يشير إلى حاجة اليمنيّين لدولة مركزية قوية تتبادل الصلاحيّات الإدارية مع الأطراف، عوضاً عن أقلمة تقوم على تقويض مركزية الدولة وعسكرة الحزازات الإجتماعية وتنمية الضغائن، ليغدو الحال ما هو عليه اليوم في نطاق نفوذ "الشرعية المنتصرة".
يحضر مسلسل "أبواب مغلقة" بوصفه برهاناً عمليّاً على افتقار عدن "المحرّرة" لأهلية احتضان عمل درامي سنوي وحيد، فعلاوة على فوضى الإنفلات الأمني الذي تعيشه المدينة، هنالك نزوع مجتمعي طارئ يستهجن الفنون ويناصب المشتغلين بها العداء... الأمر الذي لجأ معه طاقم المسلسل ـ وهم عدنيّون في الغالب ـ إلى إنتاجه في "عاصمة الإنقلابيّين"، على غرار معظم الأعمال الدرامية الرمضانية التي أنتجت هذا العام واحتضنتها العاصمة...
جنوباً وشرقاً باتت كلّ الأبواب مغلقة، فيما لا تزال صنعاء، فقط، مدينة مفتوحة... لأنّها لم "تتحرّر" بعد...
التعليقات