حتّى أسابيع خلت، كان كبير مفاوضي وفد الرياض، عبد الملك المخلافي، لا يزال أميناً عامّاً للمؤتمر القومي العربي، وقبل ذلك أميناً عامّاً للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري في اليمن. وهي سيرة ذاتية تشير إلى مناضل افتراضي تآكلت فقرات ظهره تحت وطأة حمولة ثقيلة من الهموم العربية القومية، بدءاً من همّ تحرير كامل تراب فلسطين المحتلّة، وليس انتهاءً باستعادة سبتة ومليلية في أقاصي المغرب... غير أن الواقع ـبمنأى عن السيرة الذاتيةـ يحيل إلى رجل يتخندق بقزامة في زقاق مناطقي طائفي، اسمه مجازاً "تعز".
يفاوض عبدالملك المخلافي تحت لافتة "الشرعية" على طاولة الكويت، ومثله مثل تحالف العدوان السعودي الأمريكي الذي يتلطّى خلف اللافتة ذاتها، فإن الرجل يستثمر في تضخيم الحزازات المناطقية بما يجعل منها مشروعاً سياسيّاً لا سبيل لترجمته على أرض الواقع إلّا عبر الإحتراب الأهلي، وتقويض مداميك الوطن كفضاء تتنوّع وتتعدّد مكوّناته دون أن تحترب، مؤلّفة الهوية اليمنية الجامعة بالغة الغنى.
وكما اعتبر المخلافي، ذات يوم، اجتياح صدّام حسين للكويت وإلحاقها قسراً بالجمهورية العراقية فتحاً قومياً، فإنّه لا يرى، اليوم، ضيراً في سلخ تعز (جنوب غرب صنعاء) عن جسد اليمن تراباً وتاريخاً وثقافة، وإباحتها لاحتلال متعدّد الجنسيات، تماشياً مع قوميّته الزقاقية التي لا يروقها أن تشرب نخب انتصارها إلّا على الخرائب والأنقاض.
لسوء حظّ المخلافي وتحالف دول العدوان أن ذلك لم يحدث، وأن تعز لا تزال، بعد قرابة عام ونصف العام من مجازر ترسانة العدوان الكونية، حجر التوازن الصلب في بنية الهوية اليمنية، رغم فرط الضريبة التي تقدّمها على مذبح مقاومة مشروع التمزيق والإحتلال.
تكتيل مجتمع تعز في خندق نقيض لمحافظات شمال الشمال، وفي مقدّمتها صنعاء، على أساس طائفي مناطقي، رهان ثبت خسرانه في الأشهر الأولى للعدوان، وكان رهاناً محوريّاً بالنسبة للتحالف يتعيّن كسبه بأيّ ثمن لضمان المضيّ في تقطيع أوصال وأواصر البلد، اجتماعيّاً وجغرافيّاً، شمالاً وجنوباً ووسطاً، وعوضاً عن ذلك، تكتّلت غالبية أبناء تعز في خندق مجابهة العدوان على امتداد جبهاته، وقدّمت الشهداء بوفرة وسخاء.
حقائق كهذه تعني أن يخسر المخلافي ونظراؤه، من المضاربين في بورصة التجييش المناطقي الطائفي، وزنهم، الذي لا غنى عنه للحضور كأرقام ذات قيمة، ضمن تسوية سياسية محتملة في اليمن، تسفر عنها مشاورات الكويت.
الإحساس بفقدان الوزن يفسّر الحاجة إلى إطالة أمد المشاورات من جانب وفد الرياض، وتكرار تعليق المشاركة فيها دون مسوّغات منطقية، عدا يقين أعضائه بأن أيّ تسوية سياسية في ظلّ الواقع الميداني القائم، هي بمثابة شيك غير قابل للصرف على الأرض، أيّاً كانت تنازلات "أنصار الله" و"المؤتمر"، لجهة نفاذها عملياً.
إن معضلة القومية الزقاقية وجوقة الذهنيّات المناطقية والطائفية تكمن في تجيير الدوائر الإجتماعية، التي يضاربون باسم مظلوميّاتها، لصالح مشاريع وجهات معادية لكلّ البنى الإجتماعية على اختلافها، وفقاً لخبرة اليمني تاريخيّاً بها، كما ووفق أدائها الهمجي خلال أكثر من عام على الحرب.
يدرك الموالون للتحالف السعودي الأمريكي أن المجتمعات، التي يدَّعون تمثيلها، تنبذهم، وأن العائق الرئيس والأبرز بينهم وبين معاودة الحكم في اليمن ليس "الإنقلاب الحوثي العفاشي"، وإنّما الشعب شمالاً وجنوباً، لذا فإنّهم عاجزون حتّى عن إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتهم كـ"حكومة شرعية"، بغير الفوضى وتغذية الخصومات الأهلية، كسبيل وحيد لتلافي النبذ والصدام المؤكّد معها.
إن جغرافيا بلا بشر ولا حياة هي الجغرافيا الأمثل للحكم بالنسبة للمخلافي ونظرائه، الأمر الذي يستدعي ـ برأيهم ـ المضيّ بلعبة العدوان إلى أقاصيها، واستكمال تجريف كلّ حياة ووجود على الخارطة.
وهذا هو ما يناضل الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي، في سبيل أن يحدث!
التعليقات