تبنّى اليسار والقوميّون في اليمن خطاباً سياسيّاً مناهضاً لأنظمة البترودولار، وعلى رأسها مملكة بني سعود، حيث وُصمت هذه الأنظمة في كلّ أدبيّاتهم بـ"الرجعية العربية"، وانسحب هذا الموقف نفسه حتّى على الأغنيات والأناشيد والزوامل الوطنية والشعبية ومختلف الأعمال الفنية والأدبية، في الحقبة الممتّدة من 1962 إلى 1986، لا سيّما في "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" الشطرية، إبّان حكم الحزب الإشتراكي، الذي تبنّى هذا الموقف رسميّاً.
بوسعنا القول إن بغض السعودية، تحديداً، كان مزاجاً شعبيّاً له دوافعه ومبرّراته لدى غالبية اليمنيّين، الذين تكتنز ذاكرتهم الجمعية خبرات سيّئة في علاقتهم بالمملكة، بدءاً من كونها مشيخة وهابية ناهضة تشنّ الغارات والغزوات على الحواضر العربية المجاورة، فتنشر الدمار وتنكّل بالبشر تحت دعاوى محاربة البدع والشركيّات، ثم مروراً بكونها إمارة وضعت يدها على مكّة والمدينة المنوّرة، فطمست معالمها ونكَّرت هويتّها وأذلّت حجيجها، ووقّعت صكّ إقرار بحقّ الصهيونية في اتّخاذ فلسطين وطناً قوميّاً، ثمّ انتهاءً بكونها مملكة قامت على اقتطاع أجزاء شاسعة من اليمن (نجران وجيزان وعسير شمالاً) إثر حرب عدوانية غير متكافئة، بمؤازرة بريطانية، واقتطاع الوديعة (جنوب اليمن) لاحقاً، والعدوان العسكري على الجمهورية الوليدة في الشمال، ورعاية وتمويل الإقطاع الديني والقبلي، وتغذية الفوضى والنزاعات الداخلية و... اغتيال الرئيس اليمني ذي الشعبية الواسعة الشهيد إبراهيم الحمدي، ثم تهجير قرابة مليوني عامل ومستثمر يمني ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم مطلع التسعينيّات، وفرض نظام الكفالة على طالبي العمل نكثاً ببنود اتّفاقية الطائف (1934)، الموقّعة بين البلدين.
ورغم كلّ هذا الأرشيف التاريخي الشائن للمملكة في العقل الجمعي اليمني، فإن حاجة اليمنيّين كانت ولا تزال أَمْيَل إلى نشوء علاقة حسن جوار ندّية وودّية، يتكامل في كنفها البلدان الجاران بمنأى عن الفوقية ومحاولات السطو والسيطرة السعودية على الفضاء السياسي والإجتماعي اليمني، وقسره على الدوران في فلك الهواجس والأطماع غير السوية، ولا المشروعة، للعائلة المالكة في الرياض.
لم يشأ اليمنيون للبلد الجار أن ينهار ويزول أو أن يكشط من الخارطة، وفقاً للإستثمار السياسي اليساري والقومي الحادّ، الذي كرّس في المزاج الشعبي زوال "المملكة الرجعية" بوصفه هدفاً لا مناص من تحقيقه، كسبيل وحيد لاستقرار ونهوض اليمن.
يعتقد عبدالملك المخلافي، وهو أمين عام سابق للتنظيم الناصري والمؤتمر القومي العربي ورئيس وفد الرياض لمشاورات الكويت حاليّاً، أن "السعودية هي مصدر كلّ شرّ في اليمن... وأنّها وراء اغتيال الرئيس الحمدي..."، وفقاً لمقابلة تلفزيونية أجرتها معه قناة الجزيرة القطرية في العام 2010.
وفي إبريل 2011 أطلق ائتلاف "المشترك" (الإخوان ـ الإشتراكي ـ الناصري ـ البعثي ـ الحقّ ـ اتّحاد القوى الشعبية)، على إحدى الجُمَع المعقودة في ساحات "انتفاضة فبراير" التي هيمن عليها الإئتلاف، اسم "جمعة رفض الوصاية" ردّاً على "الدور السعودي المساند والمموّل لصالح، والمبادرة الخليجية التي تحاول الرياض من خلالها إنقاذ نظامه العميل من السقوط على يد الثورة"، بحسب تصريحات رموز ائتلاف "المشترك" حينها، وهتافات شباب فبراير.
غير أن المفارقة الأكثر هزلية، هي أن معظم الذين لعنوا السعودية بوصفها الشيطان والعدو، هم ذاتهم الذين يخرّون للأذقان سجّداً خلفها اليوم، بوصفها إماماً للقومية العربية ومنقذاً للعروبة والعرب من "رجس التوسّع الصفوي المجوسي".
لم يعد زوال المملكة هدفاً يساريّاً قوميّاً لاستقرار اليمن، فقد أجرى رفاق الأمس تعديلاً طفيفاً على رؤيتهم العتيقة المتشنّجة، بحيث بات زوال اليمن هدفاً نضاليّاً تقدّميّاً مقدّساً في سبيل الدفاع عن شرف العروبة الرفيع، وفحولة العرب المهّددة ب"العنَّة والنكوص والزوال".
ذات أمس قريب، كان الحجّ إلى مكّة، فعلاً، يجلب على فاعله تهمة "الخيانة"، ويصمه بـ"الرجعية" لدى الرفاق.
وذات أمس قريب، رفض أحد القوميّين عقد عمل مغرٍ في السعودية، وأقسم أنّه لن يدخلها إلّا فاتحاً، ثمّ جاء زمن حجّ فيه الرفاق زرافات ووحداناً في غير الموسم، وتقاطر القوميّون ينسلون من كل حدب وصوب، "حجّاجاً وفاتحين"، على موائد "المملكة الرجعية"... سابقاً.
فتبارك النضال على طريق أبي رغال!
التعليقات