تعهّد أحمد بن دغر، رئيس ما يسمّى "الحكومة الشرعية"، بعدم السماح بنشوء "نسخة ثانية من حزب الله في اليمن"، على حدّ تعبيره. كما تعهَّد بـ"رفع العلم الجمهوري" في مديرية مرّان بمحافظة صعدة، أقصى الشمال اليمني، ومسقط رأس زعيم حركة "أنصار الله"، السيّد عبد الملك الحوثي، حيث يرفرف العلم أصلاً.
بالنسبة لعدن، التي يحلُّ عليها بن دغر ضيفاً غير مرحّب به، فإن كلا التعهّدين الآنفين يمثّلان تجديفاً كاريكاتوريّاً سمجاً خارج حضيض الوضع المزري لمدينة بلا كهرباء ولا ماء ولا أمن ولا أمل، وباتت مسرحاً يوميّاً مفتوحاً للإغتيالات والأجساد الناسفة والسيّارات المفخّخة وحزّ الرؤوس وتناحر الإخوة الأعداء، كحال مختلف مدن الجنوب اليمني الواقعة تحت سيطرة تحالف احتلال متعدّد الجنسيات.
تلك هي تحدّيات الواقع اليومي لمدن الجنوب اليمني، التي خرج ضحاياها بالآلاف، الأسبوع الفائت، في عدن، يطالبون الزائر غير المرغوب فيه بالتصدّي لها، فوقعوا فريسة للإعتقال وقمع الهراوات، كنتيجة لتسفيههم أجندة حكومة منهمكة في محاربة طواحين الهواء!
إن بن دغر ـ كدمية لتحالف العدوان السعودي ـ لا يرى في تلك التحدّيات، التي تعصف بمداميك الحياة في جنوبنا المحتلّ، أخطاراً تستوجب المجابهة، قدر ما يعتبرها رياحاً مؤاتية لجهة مشروع الإحتلال، جرى ويجري تنميتها والإستثمار فيها، سرّاً وعلناً، من قبل تحالف العدوان وأدواته المحلّية، تحت يافطة "الشرعية".
لا يمكن لـ"فزَّاعة حزب الله"، التي يلوّح بها رئيس حكومة الرياض في وجه شعبنا اليمنيّ جنوباً وشمالاً، أن توارب الصلات الوثيقة بين "الشرعية" كذريعة، والإرهاب والإحتلال كمشروع. وعلى النقيض من ذلك، يفصح العداء العلني وغير المبرّر لـ"حزب الله"، وإقحامه في سياق الصراع في اليمن، عن دور صهيوني وازن في تسيير دفّة العدوان ورسم مساراته. فالعدوّ الإسرائيلي وشبكة عملائه العرب، أنظمة وأفراداً، هم ـ فقط ـ من يمثّل "حزب الله" هاجساً مؤرّقاً بالنسبة إليهم، لا الشارع اليمني المسكون بحبّ "نصر العرب" وملاحم المقاومة والتحرير، من انتفاضة جبشيت إلى تمّوز الكرامة.
إن سيطرة "القاعدة" على ميناء المكلّا في حضرموت، لأكثر من عام، بالتزامن مع مباشرة التحالف السعودي الأمريكي عدوانه على اليمن، ليس هاجساً يؤرّق بال بن دغر، العائد إلى عدن مشيّعاً بالرايات السوداء، وكراهية أهالي المحافظة، الذين ينضج وعيهم يوماً فيوماً ـ على نار ضريبة باهظة ـ إزاء بشاعة تحالف عدوان نظر إليه بعضهم، لوهلة، بوصفه منقذاً، ويتكشّف له، اليوم، أكثر فأكثر، أن جوهر معضلات الجنوب والشمال يكمن في عقود وصاية أفضت ـ في الراهن ـ إلى تحالف عدوان واحتلال مباشر، يستهدف تمكين سلطة وكلائه المقوَّضة من رقاب الشعب مجدّداً، وإعادة اليمن إلى حظيرة الوصاية والتطبيع.
إن عصابات "داعش" التي تسفك الدم، من الكرادة في العراق، إلى قاع بعلبك، إلى المدينة المنوّرة، هي كتائب الميمنة والميسرة والوسط في قوام البنية العسكرية لتحالف العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، كما بات معلوماً لدى غالبية السذّج، فيما تأكّد لليمنيّين صوابية وشجاعة ضربات "أنصار الله" الإستباقية لحواضن الإرهاب الرسمي في كتاف وأرحب والبيضاء... وهي ضربات جلبت على الحركة شتّى النعوت الكيدية التي أطلقها خصومها كـ"الإمامية الظلامية الكهنوتية" المعادية للنظام الجمهوري، والمجوسية الرافضية المعادية للعرب والسنة، كما جلب عليها وعلى اليمن تحالف عدوان هو الأبشع تاريخيّاً.
المفارقة أن بن دغر، الذي تعهّد برفع العلم الجمهوري في صعدة، يعجز عن رفعه في قصر المعاشيق الحكومي في عدن، حيث يرفرف علم الإنفصال بصفاقة.
التعليقات