في واجهة مشهد الصراع في اليمن، ثمّة مشاورات تقارب الإشتباك الدائر من زاوية نظرية بوصفه اشتباكاً يمنيّاً ـ يمنيّاً، على خلفية أزمة سياسية يجري تداول حلول ومعالجات لها برعاية أممية. وفي كواليس هذا المشهد، ثمّة مشروع صهيو - أمريكي أخفقت أذرعته التنفيذية العربية في الوصول به إلى غايته على المسرح اليمني، كنطاق جيوسياسي بالغ الأهمية لجهة تظهير أبعاد المشروع المتمثّلة في هدم الخارطة الشرق أوسطية القائمة، وإعادة بنائها على نحو أكثر ملاءمة لاستمرار الهيمنة، وإجهاض تطلّعات شعوبها للنهوض والإستقلال، وتكبيل مخاض التكتلات الآسيولاتينية والآسيوأفريقية بالشروط والمحاذير الأمريكية.
يتعيَّن على المشاورات السياسية ـ والحال كذلك ـ أن تمنح الأذرعة التنفيذية العربية، والسعودية على رأسها، فرصة للتعافي السريع من تبعات إخفاقها، كحدّ أدنى، وهو أمر يبدو عسير المنال قياساً بالتوازنات العسكرية القائمة على الأرض، والتي لم تطرأ عليها متغيّرات نوعية كفيلة بتلبية هذا الهدف، فيما تلوح أمنيات الوكيل المحلّي المفاوض في أن يحصد، عبر المشاورات، ثماراً ناضجة وسهلة، عن أقلمة لم يفلح في زراعتها عبر عدوان عسكري شامل، أمنيات محالة.
لن تتعافى المملكة السعودية من تداعيات العمليّات النوعية للجيش اليمني واللجان الشعبية في جنوبها، فهذه التداعيات لم تهتك ـ فحسب ـ عذار سيادتها العسكرية على قرابة نصف المليون كيلومتر مربّع من الجغرافيا، وإنّما تجاوزت ذلك إلى تثوير المظلوميّات الإجتماعية لمجتمع جنوب المملكة، وخلق مناخ ملائم لوثوبها من حضيض الخشية والصمت إلى نطاق المكاشفة وقسر العائلة المالكة السعودية على تملّق أصحابها، واللجوء إليهم كوسطاء محظيّين بينها وبين حركة "أنصار الله"، في سبيل تهدئة عسكرية يمسك فيها الجيش اليمني واللجان بزمام المبادرة، ولا تعفي بني سعود من مجابهة أزمات بنيوية معقّدة في صلب كيانهم الوظيفي المترنّح، عاجلاً أو آجلاً.
كما أن مسرح سيطرة تحالف العدوان السعودي الأمريكي، جغرافيّاً، لا يتيح له عمليّاً إنقاذ سيناريو "الأقاليم الستّة" على الأرض، باعتباره أبرز الغايات المضمرة للعدوان على اليمن. ولكي يحرز تقدّماً في هذا الإتّجاه، يتعيَّن عليه أن يضمّ تعز (جنوب غرب صنعاء) لنطاق سيطرته برّاً وبحراً، وهو تحدّ جنّد له كلّ إمكاناته، وخاب عشرات المرّات خلال عام ونصف العام من العدوان.
غير أن حاجة التحالف إلى خضّ التماس الشطري السابق بين جنوب اليمن وشماله، من خلال السيطرة على تعز، لتلافي مطلب فكّ الإرتباط الجنوبي عن الشمال، لا تخدم حاجة المملكة السعودية إلى تأمين جنوبها من توغُّل عسكري مؤكّد، أكثر زخماً، ينفّذه الجيش اليمني واللجان، لا سيّما مع استمرار عجز التحالف في القضاء على القدرة العسكرية المتنامية لحركة "أنصار الله"، أو تدجينها كحركة "طائفية" موالية للسعودية، يسلّم لها باليد الطولى ما يسمّيه "إقليم آزال"، ذا الهوية "الزيدية"، بحسب توصيف مهندس مشروع الأقلمة القبيح.
في الأثناء، وإذ يبقى خيار الحلّ السياسيّ وليد خلطة الإخفاقات المركّبة تلك، يستمرّ تحالف العدوان في تمويل ترسانته العسكرية على الأرض بشتّى الوقود البشري والمادّي، آملاً في أن يحرز تحوّلاً نوعيّاً يتيح له المضيّ في تجريف الخارطة كلّيّاً وإعادة تعريفها وفقاً لمصالحه. وفي حال استمرّ فشله أو أفلح على هذا المستوى، فإن أدواته التنفيذية، وعلى رأسها المملكة، لن تكون بمنأى عن الوقوع فريسة لفرن تدوير الكيانات العتيقة، الذي أخلصت في تزويده بالوقود على مدار قرن.
إن يمن أيلول وسوريا تشرين ولبنان تمّوز يخوضون المعركة بالنيابة عن العالم، ولا عزاء للخونة والعملاء والمتخاذلين.
التعليقات