طيلة أكثر من عام، يصحو أهالي قرية الصراري وبضع قرى أخرى مجاورة لها ويغفون، على هدير مكبّرات الصوت التي تمطرهم عبرها عصابات تحالف العدوان، بشتّى عبارات الوعيد على غرار "جئناكم بالذبح أيّها الروافض".
ما يزيد على ألفي أسرة تقطن هذه القرى الواقعة في جبل صبر الشهير، والمطلّ على مدينة تعز، جنوب العاصمة صنعاء، وهي أسر شافعية المذهب صوفية التوجّه والطريقة، استعصى على عصابات التحالف السعودي الأمريكي التكفيرية ابتلاعها بفعل ممانعتها، ففرضت عليها حصاراً لأكثر من عام، واستهدفت على الدوام بمختلف الأسلحة شريان إمداد رفيعاً ووعراً، تزوّدت من خلاله الصراري وما جاورها بالحدّ الأدنى من متطلّبات الحياة.
غير مرّة، عرضت عصابات التحالف على أهالي القرى المحاصرة التفاوض، وفي كلّ مرّة كان التحكيم يسفر عن خديعة، وكان الذبح والتنكيل والتمثيل بالجثث مصير من يوفدهم الأهالي للتفاوض، نكثاً بوعود ضمان سلامتهم.
إلتحق معظم شباب القرى المحاصرة بجبهات القتال، منذ اللحظات الأولى للعدوان على اليمن. وعدا النساء والمسنّين والأطفال، فإن الذكور، من اليافعين الذين رابطوا فيها، يقدّرون بالعشرات، وقد استشهد غالبيّتهم خلال تصدّيهم لمحاولات اقتحام تنفّذها العصابات التكفيرية بين الحين والآخر، أو كضحايا لخدع التحكيم. ورغم أنّه ما من مواقع عسكرية في نطاق القرى المحاصرة، ورغم انتهاج أهاليها مبدأ الدفاع بأسلحة شخصية خفيفة وشحيحة الذخيرة، تدفع عصابات التحالف، على مدى الأسبوعين الأخيرين، بالمئات من أفرادها المدجّجين بصنوف القدرات النارية في محاولة هي الأعنف بين سابقاتها، لاجتياح القرى التي تقاوم هي الأخرى باستماتة، تلافياً لمجزرة مؤكّدة بحقّ أهاليها على غرار مجزرة آل الرميمة الشهيرة، ومجازر أخرى ارتكبتها وترتكبها عصابات التحالف في كلّ حيّ وقرية وقعت تحت سلطة سواطيرها.
كسبايكر وسنجار في العراق، والفوعة وكفريا ونُبُّل والزهراء في سوريا، تعيش الصراري وأخواتها على حافّة خيارين: فإمّا أن تتّخذ من متاريس دفاعها لحوداً، أو أن تغدو منازلها مسالخ لأهاليها، فيما لو رفعوا الراية البيضاء، ولا خيار ثالثاً كأن تسترعي مأساتها قلق بان كي مون، أو أن تسترقي بتعاويذ حقوق الإنسان التي كانت ولا تزال محض أوراق تواليت يجفّف بها الجلّادون أيديهم، ويمسحون دم الضحايا عن سواطيرهم، ويوارون بها سوآتهم عقب كلّ وليمة قذرة.
الهزلي أن أحد أبرز الحقوقيّين والبرلمانيّين في اليمن، وهو إخواني موالٍ للتحالف، حرّر، الأسبوع الفائت، رسالة مناشدة كيدية صفيقة، يطلب فيها من السيد عبدالملك الحوثي، وعلي صالح، تسهيل مرور جرحى العصابات التكفيرية "الأبطال"، على حدّ وصفه، لتلقّي العلاج في المستشفيات الواقعة ضمن نطاق سيطرة الجيش واللجان الشعبية، وعلى نفقة "دولتنا" التي قال، وفقاً للرسالة، إنّكم ـ أي الحوثي وصالح ـ تسيطرون عليها.
شوقي القاضي، صاحب الرسالة الآنفة، والذي زار إيران أكثر حتّى ممّا زار دائرته الإنتخابية في تعز، لا يرى في إنسان الصراري إنساناً، بل "رافضي غازٍ دخيل"، وأهون من أن تستوقفه مشاهد سحله وتقطيع أوصاله والتمثيل بجثمانه في تسجيلات مصوّرة تبثّها وتتبنّاها ذات العصابات، التي يرى في أفرادها أبطالاً يدافعون عن مدينتهم بغطاء جوّي سعودي أمريكي، وبمدد بشري من مختلف الجنسيات بما فيها الإسرائيلية، إزاء ما يسمّيه "عدواناً حوثيّاً".
وبما أن رئيس اللجنة الثورية العليا قد استجاب لمناشدة القاضي الصفيقة تلك، ووجّه بعلاج "المغّرر بهم"، فلا غرابة في أن يحرّر البرلماني الداعشي، لاحقاً، مناشدة أخرى يطلب فيها تزويد العصابات التكفيرية بالذخيرة والسلاح من مخازن الجيش واللجان الشعبية.
ولتذهب الصراري وأخواتها إلى الجحيم.
التعليقات