أوردة التعبئة الشعبية مستمرّة في تغذية الدورة الدموية لمسرح مجابهة العدوان السعودي الأمريكي، بدماء جديدة يافعة ومتّقدة وناضجة بدرجة كبيرة، لخوض ملحمة الدفاع الوطني عن الأرض والعرض والشرف والحرية والإستقلال.
ربّما عقب 21 أيلول 2014، كان بوسع قوى العمالة للرياض وواشنطن أن يصنّفوا حركة "أنصار الله" كميليشيا، ويطالبوها بتسليم "ما استولت عليه من سلاح يخصّ الدولة" على حدّ زعمهم، أمّا اليوم، فقد تغيّر الوضع كلّيّاً، واتّسع خرق الذريعة على راقع الإستثمار فيها والمتلطّين خلفها. فالقوى المحلّية التي قدّمت نفسها، حينها، بوصفها قوى غيورة على الدولة، وخصماً سياسيّاً لـ"أنصار الله، باتت اليوم، وبسفور، عدوّاً للوطن وللشعب، وأباحت البلد بكلّ مكتسباته وموروثه وحديثه وعتيقه لعدوان أجنبي واسع النطاق. وإذا كان من غير المقبول، نظريّاً، أن تستمرّ في مطالبة "الحوثيّين" بتسليم السلاح، فإن من المحال وغير الممكن عمليّاً ترجمة هذا المطلب على الأرض، لأن "الميليشيا" باتت شعباً، والشعب بات جيشاً، يستحيل فرزه إلى مدني وعسكري ونظامي وغير نظامي، في أتون الملحمة الوطنية الكبرى.
أن تكون في صفّ الوطن أو في الصفّ المعادي للوطن، لا أن تكون مع "الشرعية المزعومة أو لا تكون. هذا هو الفرز اليوم، وأن تدافع عن الوطن أو أن تبيحه للعدوان الأجنبي والإحتلال وسواطير تقطيع الأوصال مناطقيّاً وطائفيّاً، لا أن تكون ببزّة عسكرية رسمية أو بلباس مدني قبلي.
لقد أحسنت قوى العمالة والإرتزاق، إذ أوعزت لكوادرها في المؤسّستين العسكرية والأمنية اليمنية بالإنسحاب، والإلتحاق بتشكيلات التحالف السعودي الأمريكي، في وقت سابق لمباشرة العدوان على اليمن. كما أحسنت إذ دشّنت حملة استقالاتها الجماعية، التي أفرغت الرئاسة والحكومة في ظرف نهار من قرابة سبعين في المائة من الشخصيات الرسمية، وعلى رأسهم "الرئيس التوافقي" ذاته. فمن حيث أرادت قوى العمالة استدراج حركة "أنصار الله"، القيادة الطليعية لثورة أيلول، إلى أكبر مصيدة تسلّل في تاريخ العمل السياسي والحكومي، وتوقّعت حتمية إخفاقها في إدارة أهرامات المهام والأعباء التنفيذية مع شحّ خبرتها وكوادرها، ومن ثمّ مواجهة أمواج السخط الشعبي الحتمي، في تقديرها أيضاً، فوجئت قوى العمالة بخيبة توقّعاتها. وعوضاً عن أن تكبّل الحركة في زاوية حرجة فتنهار، أطلقت يدها على نطاق رسمي واسع، وأتاحت لها أن تتصالب على محكّ مجابهة أجسم المهام والأدوار، في توقيت هو الأفدح من حيث عدم المواتاة بالنسبة لمكوّن غضّ البنية، ولا سابقة له في شؤون الإدارة، وفي ظلّ عدوان شامل عسكري اقتصادي ديبلوماسي، طال كلّ أسباب البقاء على قيد الحياة، في بلد ظلّت تقارير المنظّمات الدولية الإنمائية والمالية تؤكّد أنّه على وشك الإفلاس والإنهيار الكامل.
تفضَّلوا. هذا هو ما حدث بعد عام ونصف العام: ما زال البشر يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، ويتزوّجون وينجبون، ويرسلون قوافل مكتظّة بالطعام والمقاتلين إلى جبهات الدفاع الوطني، وما زالت المركبات تسير من أقصى البلد إلى أقصاه، والذخيرة الحربية وافرة، وعزيمة المقاتل صلبة ومعنويّاته في الذروة، وما زال سيّد الثورة يطلّ من شاشات التلفزة ليضبط بوصلة الصراع، ويوجّه الملايين من أبناء الشعب المحتشدين بإنصات أمام أجهزة البثّ، وما زال الرئيس السابق، علي صالح، يطلّ ليخطب بأنصاره من بين غبار غارة جوّية على منزله ومن منصّة السبعين واللجنة الدائمة.
وفوق ذلك، ما زلنا قادرين على ابتعاث المزيد من الدفعات الباليستية إلى العمق القريب والبعيد للعدوّ، واصطياد "الأباتشي" وابتكار "قاهر 1" و"زلزال 3"، والبقية تأتي.
لقد كَبُرَ هذا الشعب، بقواه الثورية والوطنية، ألف عام، خلال عام ونصف عام من الصمود والتحدّي والعصامية والمبادرة والفدائية، وليس بوسع أيّة تسوية سياسية أن تبيح عموده الفقري ليتسلّقه العملاء الأقزام مجدّداً، فضلاً عن أن يجرّدوه من بندقية شرف وبطولة، صارت ذراعاً ثالثة في جسده وبعض جسمه والنخاع.
التعليقات