بين بنية النظام السعودي وبنية كيان العدوّ الإسرائيلي، أوجه شبه محورية متعدّدة؛ فكلاهما نتاج مخاض إعادة بناء الكيانات والأدوار والخرائط في الشرق القديم، وفقاً لمخرجات الصراع المحتدم بين الإمبراطوريات الإستعمارية الأوروبية مع بزوغ عصر الثورة الصناعية، وحتّى ثلاثينيّات القرن العشرين، التي شهدت بداية العدّ التنازلي لأفول هذه الإمبراطوريّات، ومن ثمّ رضوخها لدور تسليم، انتقلت إثره ريادة مناطق النفوذ والسيطرة، رسميّاً، إلى الولايات المتّحدة كقوّة فتية ومتعافية، عقب الحرب العالمية الثانية.
نشأ كلا الكيانين السعودي والصهيوني، منذ اللبنة الأولى، بوصفهما ذراعين وظيفيتين لمركز الهيمنة الإمبريالية الغربية في الشرق العربي والإسلامي، ذي الروافد الحضارية المتنوّعة والغنى الروحي والمادّي، والذي اصطلحت دوائر الإدارة الأمريكية الناعمة، للمشروع الإستعماري، على تسميته بـ"الشرق الأوسط"، بوصفه مسرحاً أبيض بلا ملامح ولا هوية، ولا وجود حضاري مديداً. وقد تضافرت، على هذا المستوى، كلا الأيديولوجيّتين الصهيونية القائمة على الإجتثاث والتوطين، والوهابية القائمة على تقويض التراكم المعرفي والفكري في الفضاء العربي الإسلامي، ومحو كلّ حراك إنساني خارج نطاق تأويلها دينيّاً كان أو دنيويّاً، فتوافرت، إثر ذلك، للمصالح الأمريكية مساحات مكشوطة وشاغرة في المجالين الروحي والمادّي للشرق، عملت وتعمل على توسيعها واحتلالها بفضل كفاءة جرّافة الصهيووهابية المدجّجة بالنفط، وأحدث المعاول، والعتاد الحربي العسكري والإعلامي.
خلف كلّ دم وأشلاء ودمار، ابحثوا عن بصمات الصهيووهابية، من صنعاء إلى كاراكاس ومن دمشق إلى موسكو.
وإذ تتأوّل "رياض بني سعود" ألف سبب وحجّة للإنخراط في علاقة عشق علنية مع تل أبيب، فإنّها تعدم كلّ حجة وسبب لوقف عدوانها على اليمن، والكفّ عن تمويل سواطير الذبح وماكينات الخراب في سوريا والعراق ولبنان.
لم تنفق الرياض فلساً واحداً في خندق مجابهة العدو الإسرائيلي، على نحو يتيح لنا توصيف علاقاتها الحميمة به، في طور بروزها العلني، بـ"التطبيع". وثمّة مئات المليارات التي أنفقتها وتنفقها الرياض، لتثبيط هذا الخندق والتآمر عليه، انسجاماً مع فلسفة نشأتها ككيان وظيفي استعماري، نظير لكيان العدو الإسرائيلي، ويتشاطران مخاوف واحدة إزاء حركات المقاومة والتحرّر العربي، وبروز إيران كقوّة معرفية واقتصادية مستقلّة عن كرابيج السائس الأمريكي.
لا تستطيع المملكة السعودية، بالقصور الذاتي لنشأتها، أن تكون إلّا توأماً سياميّاً للكيان الصهيوني، وعدوّاً لدوداً للعروبة كمشروع مناهض للهيمنة والإستلاب والإحتلال، وكقضايا مركزية عادلة.
وبالنتيجة، فإن انخراطها في مواجهة عسكرية مباشرة مع "يمن 21 أيلول"، المناهض للصهيوأمريكية عقيدة وسلوكاً، يجري بالقصور الذاتي أيضاً. إذ إن عدم الدخول في مواجهة مباشرة يساوي ـ بالنسبة لها ـ خسارة كيانها الوظيفي القائم على تعبيد الجوار، كحظائر طيّعة لمركز الهيمنة، غير أن خسارتها في هذه المواجهة العسكرية المباشرة سيفضي إلى خسارة كيانها الوظيفي بالحتمية ذاتها، وهذا هو ما يحدث اليوم على وجه التحديد.
مراراً، دعا قائد الثورة، السيد عبدالملك الحوثي، بني سعود للعودة إلى حاضنتهم العربية، وبذل التنازلات تلو التنازلات لوجه أن تفكّ المملكة ارتباطها بالمشروع الأمريكي، وتكفّ عدوانها على اليمن، وتتيح للمشهد السياسي فيه أن يتنفّس بمعزل عن الوصاية والفوقية، فعجزت المملكة عن استيعاب دعواته، والإنتفاع من المتاحات المبذولة لوجه قيم ومبادئ الدين والعروبة وأعراف الجوار.
بالنسبة لمملكة تترنّح تحت وطأة إخفاقاتها العسكرية، فإن الإعلان عن تشكيل مجلس سياسي أعلى، الأسبوع الفائت، كان بمثابة توقيع شهادة وفاة لشخص لم يمت بعد، لكنّه لن يتعافى مهما امتدّ به العمر.
التعليقات