أراد الكثيريّون، في مفتتح العصر الحديث، أن يستعيدوا دولتهم التي ساد مجدها لحقبة تاريخية طويلة من تاريخ حضرموت الوسيط، وبدأوا في تحقيق ذلك بإسقاط المدن الحضرمية، ولاسيّما في منطقتي الوادي والهضبة، وتمّ لهم ذلك في ظلّ ضعف وترهّل السلطات اليافعية القائمة حينها. وبعدما خضعت لهم تلك المنطقة الداخلية بجهد يسير، أرادوا التمدّد إلى ساحل حضرموت، للإستيلاء على مينائها التجاري المهمّ حينها، وهي مدينة الشحر المشرفة على البحر العربي. وفعلاً، وصلت قوّاتهم إلى المدينة التي كان يسيطر عليها، آنذاك، أمراء آل بن بريك، واستطاعوا اكتساحها، وفرّ أميرها بعد مقاومة يسيرة. وظنّ آل كثير أنّهم على وشك ابتلاع حضرموت، بمجرّد سقوط حصنها الأخير المتمثّل في مدينة المكلا، لكن لدى محاولتهم إسقاطها، وهم في قمّة نشوتهم بانتصاراتهم السابقة، إذا بهذه المدينة المحاطة بالسلاسل الجبلية تستعصي عليهم، فيرتدّون خائبين حيث توقّفوا في الشحر.
وهنا، سارعت السلطة في المكلّا إلى الإستعانة بالقوة القعيطية المدجّجة بقوّة المال والسلاح، في محاولة لوقف تمدّد الكثيريّين الحالمين بإعادة مجد إلهم القديم على كامل التراب الحضرمي. ووصلت القوة القعيطية من الهند إلى المكلّا استعداداً لتحرير الشحر، ومن ثمّ القضاء على أطماع الكثيري السياسية، وجرى ترتيب حرب استرداد ميناء الشحر الهامّ بين تحالف القعيطي وسلطة المكلّا، وتمّ تنفيذ الهجوم الكبير الذي انتهى بتحرير الميناء الحضرمي التجاري. وبهذا، صار ذلك التحالف يتطلّع إلى اقتحام المعقل الرئيسي للكثيري، وهو مدينة سيئون التي تُعدّ العاصمة التاريخية للدولة الكثيرية. وفعلاً، رتّب ذلك التحالف هجوماً ضخماً على مدينة سيئون، إلّا أنّه تحطّم عند مداخلها، حيث تكمن هناك الحاضنة الطبيعية للكثيري، بكثرة العشائر التي تدين بالولاء له.
وهكذا، رغم القوة المالية والعسكرية لذلك التحالف، الذي تمكّن من تحرير جنوب حضرموت ومناطقها الساحلية، وجزء من مدن الوادي والهضبة، إلّا أنّه لم يتمكّن من السيطرة على جميع البلاد، واستعصت عليه أهمّ مدينتين في قلب حضرموت، وهما سيئون وتريم، اللتان يدين ساكنوهما بالولاء للكثيري. وانقسمت حضرموت بين هذين الخصمين السياسيّين التحالف والكثيري، ولم يتمكّن أيّ منهما من حسم المعركة لصالحه، والإنفراد بحكم حضرموت. وهنا، تدخّلت المصالح البريطانية في المنطقة، لفرض السلام بين الفريقين العنيدين، وأتت بحلّ يترجم واقع المتصارعين وقدراتهم، يصبّ من ناحية في مصلحة قوى التحالف، لكنّه في الوقت نفسه يرضي طموح الكثيري في استعادة جزء من مجده التاريخي.
قامت بريطانيا التي اقتضت مصالحها الهدوء في المنطقة، بجمع الفريقين على طاولة واحدة، وعقدت بينهما اتّفاقية عُرفت باتّفاقية سنة 1918 بغرض فرض الصلح والسلام في حضرموت، وألزمت الطرفين المنهكين بالتوقيع عليها. وقد نصّت تلك الإتّفاقية على حقّ الكثيري في أن يحكم مدينتي سيئون وتريم ونواحيهما، وحقّ القعيطي في أن يحكم ساحل حضرموت، وما تمكّن من تحريره من قبضة الكثيري من مدن الداخل، كمدينتي شبام والقطن، ثمّ نصّت الإتّفاقية، في الوقت نفسه، على وحدة حضرموت، ومن ثمّ لم يكن للكثيري الحقّ في التخاطب مع الخارج والمجتمع الدولي، إلّا عبر المكلّا، وهي المدينة الساحلية التي اتّخذها القعيطي عاصمة له.
وهكذا، ساد السلام المتوازن في حضرموت، وحافظت بذلك على وحدتها الوطنية، بعد أن عاشت عند مطلع قرنها العشرين حقبة مظلمة وعاصفة من الصراع السياسي والعسكري العنيف على كرسيّ الحكم، وعلى الهيمنة والنفوذ. وألّف المؤرّخ محمّد عبد القادر بامطرف كتابًا عن ذلك، أطلق عليه عنوان "في سبيل الحكم"، بقصد أخذ العبرة من أمثال تلك الصراعات المقيتة، وما تصيبه من جناية على البلد، وما تؤدّي إليه من تدخّلات خارجية غير بريئة، وسبل حلّها حلّاً متوازناً، يستمدّ بذوره من واقع البيئة الداخلية والمحيط الخارجي، وهو ما يقتضيه الحزم الحقيقي والأمل الواعي، وإلّا استمرّت الأمور في الإنهيار والتداعي.
التعليقات