على عكس آخرين من أبناء جيله، ممّن يمّموا وجوههم شطر عواصم عربية، يتعارض شكل نظمها السياسية مع هويّاتهم الفكرية والإجتماعية والسياسية ذات الإتّجاه القومي الأممي، بقي السّياسي اليمني، والقيادي الناصري السابق، المقيم خارج اليمن، عبدالله سلام الحكيمي، قابضاً على مبادئ الناصرية، وقيمها النضالية، كما لو أنّه انتسب للتّو، للعمل الحزبي السرّي للتنظيم الناصري، وليس في إبريل 1969م.
عمل الحكيمي مع الرئيس إبراهيم الحمدي، وهو أحد قادة حركة 78م الناصرية، ويعدّ الأب الروحي للناصريّين. شغل منصب الأمين العام لجبهة 13 يونيو، للقوى الشعبية (الناصرية)، والتي تأسّست بعد اغتيال الرئيس الحمدي في 11/10/1977، كما عُيّن عضواً للجنة المركزية والقيادة التنفيذية للتنظيم الناصري (الطلائع الوحدوية اليمنية)، في أكتوبر 1978.
طوال مسيرته العملية، جمع عبد الله الحكيمي بين العمل السياسي والرسمي والإعلامي والدبلوماسي؛ فقد كان عضو الأمانة العامّة لاتّحاد القوى الشعبية، خلال الفترة الواقعة بين 1991 و1993م (رئيس الدائرة السياسية)، وكان، كذلك، أوّل رئيس تحرير لصحيفة "13 يونيو" الأسبوعية ما بين 1975 و1977م، والناطق الرسمي باسم مجلس القيادة منذ 1975 إلى 1977م، والوزير المفوّض في وزارة الخارجية وعدد من السفارات لسنوات.
في حواره التالي مع "العربي"، يتحدّث الحكيمي، بألم وحسرة، عن ابتعاد مدينة تعز عن شخصيّتها وطبيعتها، راصداً تحوّلاً فجائيّاً ودراماتيكيّاً، وانقلاباً ذاتيّاً لمشاريع الثورية والقومية والأممية والإشتراكية، ونكوصاً ارتداديّاً لقيادات حزبيّة. يتفاعل الحكيمي مع الأحداث اليومية، والتطوّرات السياسية المتسارعة، في المحافظات الجنوبية، وفي تعز، وعلى الحدود اليمنية - السعودية، وفي المنطقة العربية برمّتها. ولذلك، يؤرّخ الرجل، في حواره مع "العربي"، لسقوط مرحلة تاريخية، بكلّ ما فيها وما عليها، ويضع أولويات عاجلة على طاولة "المجلس السياسي" المستحدث لقطبي صنعاء، ويكشف عن واحد من أسباب اغتيال الرئيس الحمدي، وخطأ مميت لقوى الحراك الجنوبي، وطرف غائب في تعز، وغيرها من قضايا الساعة والمستجدّات.
نبدأ من إعلان تشكيل "المجلس السياسي" من قبل "أنصار الله" و"المؤتمر الشعبي العام" في صنعاء... كيف قرأتم هذا التطوّر السياسي؟

أوّلاً، أودّ أن أعبّر عن شكري لكم... جميل الجعدبي، ولموقع "العربي" لإتاحة الفرصة أمامي للتحدّث من على منبركم الموقّر. وفي ما خصّ إعلان المجلس السياسي، المتّفق عليه بين "المؤتمر الشعبي العام" و"أنصار الله"، مؤخّراً، في صنعاء، أعتقد أنّه جاء استجابة للتحدّيات بالغة الخطورة، والتي تمسّ الوجود والهوية الوطنية لليمن، أرضاً وإنساناً ودولة، بفعل عدوان عسكري خارجي تحالفت فيه السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي (عدا سلطنة عمان)، وأمريكا ودول أوروبية وبعض الدول العربية والأفريقية والآسيوية، مع عصابات الإجرام العالمية، ومافيات المخدّرات في العالم، لشنّ عدوان غاشم ،وفرض حصار شامل على اليمن، جوّاً وبحراً وبرّاً، وهو عدوان وحصار لا يزال مستمرّاً منذ عام ونصف. هذه التحدّيات الوجودية المهدّدة لوجودنا وكياننا الوطني، هي التي أملت ضرورة قيام هذا التحالف السياسي، بين أكبر وأقوى مكوّنين سياسيّين في اليمن، وفي نظري، أنّه تحالف استراتيجي، أو هكذا يجب أن يكون، طالما أن التحدّيات التي أوجبته استراتيجية أيضاً وماحقة.
إلى أي حدّ تتوقّعون استمرار هذا التحالف أمام تعقيدات الداخل، وتناقضات الخارج؟
التحالفات الجبهوية السياسية لا تنشأ في العادة إلّا بفعل الضرورة لمواجهة عدوان خارجي، أو كوارث طبيعية، أو أزمات داخلية مهدّدة بانهيار الكيان السياسي (الدولة)، في أيّ بلد، أو مجتمع، فتتّجه الأحزاب والمكوّنات السياسية والإجتماعية إلى توحيد الصفوف الوطنية، وتقوية الجبهة الداخلية، لمواجهة مختلف تلك التحدّيات الجسيمة. ومن طبيعة تلك التحالفات السياسية الجبهوية أن تنشأ بين أطراف وطنية مختلفة في رؤاها وبرامجها وأهدافها، لكنّها تتّفق على جعل خلافاتها ثانوية، أو قل مؤجّلة، أو في أحسن الأحوال مجال حوارات بينها للتقريب بينها، ولكنّها تتّفق في الظروف الإستثنائية الداهمة، على قاسم سياسي أعظم، يوحّدها تماماً، وإن مرحليّاً، في مواجهة المخاطر والتحدّيات المهدّدة للكيان الوطني برمّته، ويستهدفها بالتالي جميعها دون استثناء. وبعد زوال تلك المخاطر والتحدّيات الوجودية، تكون أمام معطيات وقضايا جديدة، في الإعمار ومعالجة ما دمّره العدوان والقوى والجماعات التي تحالفت معه، وإعادة البناء الوطني، فإمّا أن يتعزّز ذلك التحالف ويتوسّع، أو ينفرط عقده، بحسب أجندات أطرافه، لتنشأ بدلاً عنه تحالفات سياسية جديدة، وأعتقد أنّه، فيما يخصّ الإتفاق السياسي الذي نشأ مؤخّراً، فليس أمامه من خيار سوى أن يصمد ويتعزّز، من زاوية أنّ جميع أطرافه بدون استثناء مهدّدة، مهما ظهرت لعب تكتيكية بهدف الوقيعة بين أطرافه لأهداف آنية.
لمن الشرعية اليوم، بعد بدء "المجلس السياسي" أداء مهامّه؟
الإتّفاق السياسي المعلن هو تحالف سياسي بين مكوّنين سياسيّين كبيرَين ووازنَين، فيُعتبر بمثابة اتّفاق حزبي، لكن تفعيله وتحويله إلى خطوات سياسية تنفيذية، على سلطات الدولة، بمعنى ترجمته عملياً، في إقامة سلطة حكم انتقالية مؤقّتة (الرئاسة والحكومة وغيرها من سلطات الدولة )، ينقل الشرعية مباشرة لسلطات الدولة، المتوافق على إنشائها، للحيلولة دون انهيار الدولة بالكامل، والذي هو هدف العدوان والحصار في حقيقة الأمر، فيبقى التحالف السياسي مرشداً ومراقباً، بطريقة غير مباشرة، لكن كلّ الشرعية تصبح مناطة بالكامل لسلطات الحكم، التي سيتمّ التّوافق على إقامتها.
ما الذي تطالبون به هذا "المجلس السياسي"، وأيّ أولويّات ترونها ماثلة أمامه اليوم، من وجهة نظركم طبعاً؟
هناك أولويّات ومهامّ عاجلة كثيرة أمام المجلس السياسي، المعبّر عن التحالف السياسي المعلن، لعلّ أعجلها:
1- سرعة إقامة سلطات الحكم الإنتقالية المؤقّتة، لضمان استمرار الدولة، والحيلولة دون هدف العدوان بانهيارها.
2- مواصلة الجهد والمساعي لإقناع الأطراف السياسية خارج الإتّفاق السياسي بالمشاركة، بعد أن تقوم بمراجعات نقدية لمواقفها السابقة، وذلك لصالحها من ناحية، ولصالح توسيع التحالف السياسي الوطني.
3- سرعة مراجعة مسودّة مشروع الدستور، بعد إزالة المفخّخات والألغام التي حاول الرئيس (الخائن) عبدربه منصور هادي فرضها قسراً عليها، بعيداً عن مبدأ التوافق الوطني، وإعداده كمشروع دستور قابل لإجراء الإستفتاء عليه.
4- إعادة بناء الإقتصاد الوطني برمّته، عبر إنشاء مجلس اقتصادي وطني أعلى، يعيد بناء اقتصادنا في جميع مجالاته بشكل جذري، على ضوء كلّ استخلاصات وعبر تجربة العدوان والحصار، وبما يكفل قيام آليّات ناجحة وصارمة لاجتثاث الفساد من جذوره، وتعزيز دور أجهزة الرقابة والمحاسبة بشفافية لا تتستّر ولا تحمي أحداً، بما في ذلك كبار المسؤولين من الرئيس وأدنى.
هل تعتقدون أن هذا التحالف يمكن أن يضمّ أحزاباً جديدة، وتحديداً من أحزاب "المشترك"؟ وكيف تتوقّعون شكل الخارطة السياسية اليمنية مستقبلاً، بعد تجاوز هذه المرحلة؟
من حيث المبدأ، من المفيد سياسيّاً ووطنيّاً توسيع نطاق التحالف المعلن مؤخّراً، ليشمل خاصّة "التجمّع اليمني للإصلاح"، لأنّه قوّة كبيرة، على أن يُمهّد لذلك بإجراء مراجعة سياسية نقدية، لاستدعائه ووقوفه وقتاله مع عدوان عسكري خارجي ضدّ الوطن والشعب. والحقيقة، لو تحقّق انضمام "الإصلاح" إلى التحالف الذي قام للتوّ بين "المؤتمر الشعبي" و"أنصار الله"، فإنّنا نكون أمام ثلاث قوى سياسية كبرى، تمثّل رافعة وأساساً للإنقاذ والبناء الوطني الشامل، وصمّام أمان لصون السيادة والإستقلال الوطني أمام كلّ التحدّيات.
ماهو، باعتقادكم، أثر إعلان وتشكيل وبدء ممارسة "المجلس السياسي الأعلى" لمهامّه، على المستويين المحلّي والخارجي؟
الواقع أن التوقيع على الإتّفاق السياسي، وإنشاء المجلس السياسي الأعلى، بين المكوّنَين السياسيَّين الكبيرَين في الساحة اليمنية، "المؤتمر الشعبي العام" وحركة "أنصار الله"، قد عكس فور إعلانه تأثيرات واسعة النطاق، على المستويين الداخلي والخارجي معاً، وأربك حسابات تحالف دول العدوان ومرتزقتهم، وكذا المجتمع الدولي عموماً، بالنّظر إلى ما سيحدثه من قلب لموازين القوى العسكرية في الميدان لصالح الجانب الوطني، وخاصّة جبهة ما وراء الحدود، بالغة الأهمّية استراتيجيّاً، وفي الجانب السياسي العامّ في الداخل بما سيفضي إليه من تعزيز متانة وقوّة وتلاحم الجبهة الداخلية في مقاومة العدوان، أو في ما يتعلّق بمشاورات الكويت، والمشاورات واللقاءات التي تتمّ داخلها، ومن حولها، مع أطراف إقليمية ودولية عديدة. ويمكننا أن نلحظ بوضوح مدى ذلك الإرباك والقلق في مسارعة تحالف دول العدوان، لاستصدار قرار من مجلس الأمن، يدين اتّفاقاً سياسيّاً داخليّاً بين قوّتين سياسيّتَين محلّيّتَين من ناحية، ويلزم الطرف الوطني بالتوقيع على خارطة طريق إسماعيل ولد الشيخ الإستسلامية المبتسرة، لولا إجهاض ذلك المسعى الخبيث من قبل روسيا الإتّحادية!.
وبالنّسبة لتأثيره على "شرعية" الرئيس عبد ربه منصور هادي، و"اللجنة الثورية"؟
أمّا الحديث عن شرعية لهادي وحكومته، فهو لغو وعبث لا يستند إلى أيّ أساس قانوني على الإطلاق. فشرعيّته انتهت في فبراير 2014م بموجب المبادرة الخليجية وآليّتها، والقرارات الدولية التي عزّزتها. فهادي مجرّد ورقة رخيصة لتبرير العدوان والحصار على اليمن، لا أكثر من ذلك. أمّا اللجنة الثورية العليا، فبمجرّد إقامة سلطات حكم انتقالية مؤقّتة، بموجب الإتّفاق السياسي، ينتهي دورها وينتهي العمل بالإعلان الدستوري، الذي قامت بموجبه، لنشوء سلطات بديلة عنها ومتوافق عليها.
ما هو تقييمكم لمسار مشاورات الكويت في جولتها الثانية، ولماذا باءت هذه الجولة بالفشل، من وجهة نظركم؟
طاولة مشاورات الكويت، في الحقيقة، ليست الطاولة الوحيدة في ما أعلم، فهناك طاولات عدّة منصوبة حولها وعند تخومها في الكويت، وأخرى خارج الكويت وبعيدة عنها، وطاولة الكويت ليست أهمّها على كلّ حال، وهي مجرّد لعبة من لعب العدوان لكسب المزيد من الوقت، ولتضليل العالم بأن المشكلة في اليمن صراع داخلي وليست عدواناً غاشماً، يشنّه تحالف من أكثر من 14 دولة، إضافة إلى عصابات الإجرام العالمي ومافيات المخدّرات العالمية. فوفد مرتزقة العدوان لا قضية له ولا قرار بيده أصلاً، ويأتمر بأوامر تحالف العدوان حضوراً وانصرافاً.
وأداء وفد صنعاء؟
الوفد الوطني في مشاورات الكويت، وهو يعلم تلك الحقيقة التي أشرت لها آنفاً، تصرّف وفقاً لمقتضياتها، وراح يشرح قضيّته العادلة، ويوضّحها للرأي العام عبر اتّصالاته ولقاءاته وحواراته، مع سفراء ومبعوثي دول إقليمية وعالمية عديدة، ويستثمر، بكفاءة، الهامش الإعلامي الذي تتيحه، بطبيعة الحال، تلك المشاورات، لصالح قضيّته الوطنية العادلة ومظلومية شعبه.
باعتباركم مقيمين خارج اليمن، كيف تلمسون مستوى فهم الخارج للحروب في هذا البلد، وتحديداً التّدخل العسكري الذي تقوده السعودية تحت لواء "التّحالف العربي"؟
للأسف الشديد، بالنظر إلى طبيعة تحالف العدوان ضدّ اليمن، هو تحالف عربي-غربي أساساً، مع بعض الدول الآسيوية والأفريقية، وحيادية بقية القوى الدولية المهمّة كروسيا والصين، وبمشاركة عصابات الإجرام العالمي، مثل "بلاك ووتر" وغيرها، ومؤشّرات قوية عن مشاركة "إسرائيل" أيضاً! وبالنظر إلى السيطرة الإعلامية الكاملة تقريباً، وحجب القنوات الفضائية الوطنية كلّها من الأقمار الصناعية... إلخ، فإن الرأي العام الدولي واقع تحت تأثير السطوة الإعلامية الصهيوإمبريالية التي تضلّله، وتحجب عنه حقائق العدوان على اليمن، والجرائم والفضاعات التي يرتكبها العدوان، منذ عام ونصف، من جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، واستهداف للمدنيّين والأطفال، وتدمير لكلّ البنى التحتية المدنية، وفرض للعقاب الجماعي على الشعب كلّه بالحصار. هذا مع التقدير لجهود المنظّمات الحقوقية والإنسانية الدولية المحترمة، التي بدأت أصواتها تعلو كاشفة حجم الجرائم والكوارث، التي يتسبّب بها العدوان في اليمن. وعموماً، فإن الرأي العام العالمي زيّف وعيه على أن ما يجري في اليمن صراع داخلي، ومع ذلك هناك مؤشّرات مشجّعة على صحوة وعي له تتشكّل.
كيف تقيّمون مستوى أداء الإعلام اليمني في الداخل؟
أداء الإعلام الداخلي، برغم محاصرته وكتم وسائله خارجيّاً، لكنّه في الحقيقة إعلام مجاهد، بكلّ معاني الكلمة، ويقوم بأقصى دور وطني ممكن، في أداء مهمّته ورسالته في ظروف غاية في الصعوبة، وهو ما عكس نفسه إيجابيّاً، على نطاق واسع، في خلق رأي عام وطني واع وفعّال، وفي تلاحم الجبهة الداخلية
ثمّة مؤشّرات إلى أن المملكة السعودية تسعى لأن يكون توقيع أيّ اتّفاق، قد ينتج من جولة جديدة من المشاورات، على أراضيها، وتحديداً في مكّة المكرّمة. لماذا باعتقادكم؟
سعي السعودية، بل استماتتها للتوقيع على الإتّفاق المزمع في أرضها، له دلالات هامّة. فهو كالمبادرة الخليجية وآليّتها، يكرّس تبعية الشأن اليمني للسعودية سياسيّاً، بحيث يقرّ العالم بشكل مباشر أو غير مباشر، بأنّ أيّ تعامل مع اليمن في جميع المجالات عالميّاً، يجب مروره من البوابة السعودية، وهو واقع تكرّس للأسف، منذ ما بعد ما سمّي بالمصالحة الجمهورية اليمنية، في أوائل سبعينيّات القرن الماضى، إلى أن تجاوزه الرئيس الشهيد، إبراهيم الحمدي، وكان أحد أسباب اغتياله. فالسعودية كانت ولا تزال تعمل بكلّ قوّتها وإمكانيّاتها، ليبقى اليمن ملحقاً بها في قراره الوطني وعلاقاته الدّولية.
ولماذا تحديداً مدينة مكّة؟ وليس العاصمة الرّياض مثلاً؟
تحديد اسم مكّة المكرّمة استغلالاً لقدسيّة المكان إسلاميّاً، كباقي ممارسات سوء إستغلال الدين في القضايا السياسية والخلافية.
ثمّة من يقول إن سعي السعودية لاستضافة المشاورات أو توقيع الإتّفاق يستهدف تبرئة ساحتها، هل توافقون على ذلك؟
في ما يتعلّق بمسألة كون الإتّفاق وتوقيعه في السعودية يبرّئها من تبعات ومسؤوليّات العدوان، فلا أعتقد أنّ ذلك كاف لتنصّلها من المسؤولية، بل إن أخطر ما يبرّئها الإقرار بأيّ مشروعية للرئيس الخائن هادي، ولو حتّى بقبول قرارات يصدرها بإزاحة نفسه، وتعيين نائب يتولّى سلطاته، هذا هو الخطر الداهم لو تمّ التعامل معه من الوفد الوطني، لأنّه يبرّئ السعودية وتحالف دول العدوان من كلّ مسؤولية، باعتبار أنّهم استجابوا لطلب الشرعية لعودة الشرعية، مهما كان مخالفاً للدستور والقوانين جملة وتفصيلاً. ليس هذا فحسب، بل يحمّل الشعب اليمني لأجيال قادمة كلّ المسؤولية، بما في ذلك دفع تكاليف العدوان، وتحمّل تبعات جرائمه، ومحاكمة القوى الوطنية، التي نهضت بأعباء مقاومة العدوان ومرتزقته، ولهذا يجب التنبّه لخطورة مثل هذا الفخّ المهلك.
تحدّثتم في تغريدات لكم عن جوانب خفية في ما سمّيتموه "المقترح السعودي" للحلّ السياسي للأزمة في اليمن، ما الذي تقصدونه بذلك؟
المقترح السعودي للحلّ في اليمن، والذي نقله وتبنّاه المبعوث الأممي ولد الشيخ، يقوم على تجزئة الحلّ إلى مرحلتين، في المرحلة الأولى منه تسليم أسلحة ما يسمّى بالميليشيات، ويقصد بها كما يقولون ميليشيات الحوثي وصالح، وفي هذه النقطة هم يخطّطون لإدخال الجيش الوطني والأمن، الذي قام بمقاومة العدوان، ضمن قائمة تلك الميليشيات، لأنّهم قاتلوا! ولم يتحدّثوا، أو يسمّوا الميليشيات الإرهابية، والجماعات المسلّحة، التي تحالفت مع العدوان في القتال (كالقاعدة، وأنصار الشريعة، والسلفية القتالية، وميليشيات الإخوان المسلمين، وباقي الجماعات المسلّحة التّابعة للنّاصري والاشتراكي... إلخ)، ثمّ الإنسحاب من المدن والمحافظات غير الخاضعة لميليشيات المرتزقة المقاتلة مع العدوان، وتسليم الأسلحة ومؤسّسات الدولة للجان عسكرية وأمنية في تلك المحافظات! وبعد كلّ ذلك، في المرحلة الثانية سينظرون في حلّ سياسي إن نظروا، بعد استسلام القوى الوطنية المقاومة للعدوان!.
إذاً، الهدف من هذا المقترح هو دفع "أنصار الله" وحلفائها للإستسلام؟
الهدف من المقترح السعودي، وقد خلع عليه المبعوث الأممي قبّعته الزرقاء، هو نزع سلاح الجانب الوطني (الجيش والأمن واللجان الشعبية، وغالب الظن القبائل الوطنية المقاومة للعدوان)، ونزع كلّ أوراق الضغط من يدها، تمهيداً للإنقضاض عليها، واستصدار قرارات من شرعيّتهم (هادي وحكومته والأطراف المحلّية المتحالفة معهم) لتشكيل سلطات الحكم التي يريدون فرضها على اليمن واليمنيّين، من ممثّلين لتحالف الإرهاب والفساد وتجّار المخدّرات، وقضي الأمر!!!
في ظلّ هذه المعطيات، هل يمكن القول إن الأزمة عادت إلى المسار العسكري بقوّة؟
لا يمكن التعويل على مشاورات الكويت أو غيرها في الوقت الراهن على الأقلّ، ما لم يقتنع تحالف العدوان، وبالذات السعودية، تحت ضربات صمود جيشنا ولجاننا وقبائلنا وقوى شعبنا الوطنيّة، واعتمادهم سياسة الدفاع بنفس طويل بما يحقّق أقصى استنزاف ممكن للسعودية، بأن استمرار عدوانها مضرّ بها، ويهدّد تماسكها الداخلي واستقرارها أكثر من اليمن، فتجنح لداعي العقل والمنطق والحكمة، وتستخير الله، وتتفاوض مباشرة مع السلطات الوطنية اليمنية، التي ستنشأ قريباً جدّاً لوضع حدٍّ للعدوان، وبالتالي، ستتدبّر (السعودية) أفضل الوسائل لإخراجها من مستنقع خطر، دُفعت إليه في اليمن، دون أن تدرك غالباً أبعاده ومراميه البعيدة عليها قبل غيرها.
كيف تقيّمون الحالة الأمنية في المحافظات الجنوبية، التي أعلن "التحالف العربي" تحريرها؟
في الجنوب، باتت المشكلة أكثر خطورة ممّا هي عليه في الشمال، فقد كانت قوى الحراك الجنوبي قد بدأت تبلور نفسها وتنضج رؤاها عبر سنوات ماضية بمعالم برنامج مطلبي، إلى أن بدأ العدوان والإرهاصات، التي مهدّت له، من استقالة هادي وحكومته ونزوحهم إلى الجنوب، وقيامهم عمداً بخلط الأوراق، واستجلابهم للجماعات الإرهابية، وتسليحها وتمويلها، وبالذّات إلى عدن وحضرموت وغيرها، لتكون أدوات محلّية، في قادم الأيّام للعدوان الخارجي.
كيف تنظرون إلى أداء الحراك الجنوبي منذ بدء الحرب في اليمن في 25 مارس 2015؟
أصيبت قوى الحراك الجنوبي بتشوّش الرؤية، والتردّد في تحديد وجهتها وتوجّهها، واستندت إلى حسابات خاطئة، حين ظنّت أن العدوان سيسلّمها الجنوب على أطباق من الفضّة والرغد والإزدهار، فوقعت في خطأ مميت، أدّى إلى تفكّكها وتنازعها البيني، وتحوّلت إلى قوى مفكّكة، تسعى كلّ واحدة منها إلى الظفر بنصيب أكبر من كعكة العدوان، من رفقائهم الآخرين، وانتهوا إلى مجرّد أدوات وظائفية في لعبة تنازع النفوذ بين قوى العدوان ذاتها، الذين ما ساورهم أدنى شكّ في أن الحراك قوّة، ليست من حيث القوّة والتأثير بكافية للتعويل عليها. وكان قرار تحالف العدوان واضحاً منذ البداية، أن تعويله واعتماده لا يمكن أن يكون مفيداً، إلّا من خلال الجماعات الإرهابية والتكفيرية المتطرّفة، ولم يكن العدوان في وارد الإلتفات إلى مطلب فصل الجنوب من حيث المبدأ، وهو ما غاب عن قوى الحراك للأسف، فكان هذا الجحيم المؤلم من الإنفلاتات الأمنية، والإغتيالات والتصفيات الدموية، وأعمال التخريب، وقساوة الحياة الإقتصادية والمعيشية بأكثر ممّا كان عليه الحال قبل العدوان، وهو مستمرّ في التردّي والبؤس، فأصبح واقع الحال اليوم في الجنوب يقول بأن لا حلّ في الجنوب إلّا في إطار الحلّ السياسي الوطني الشامل، إلّا إذا رأى أبناء الجنوب بإرادتهم الحرّة شيئاً آخر.
بالإنتقال إلى تعز، ما هي رؤيتكم للأوضاع هناك؟
بعيداً عن المجاملات ومعسول الكلام، يؤسفني ويؤلمني القول إن تعز، التي عُرفت تاريخيّاً بأنّها بيئة الإنصهار الوطني والتعايش والسلام والتمازج الثقافي المتنوّع والحسّ المدني والحداثة، ابتعدت كثيراً عن شخصيّتها وطبيعتها، التي تشكّلت على مدى عقود طويلة من الزّمن، ولم تعد تلك التي عشنا فيها، وعاشت فينا، بل صحونا فجأة لنجدها بيئة تعشعش فيها وعلى جنباتها، أعشاب الطائفية والمذهبية والعنصرية والعنف والقتل وسفك الدماء والكراهية والبغضاء المقيتة.
بماذا تفسّرون هذا التحوّل؟
هذا التحوّل الفجائي والدراماتيكي حدث بفعل تحوّل قيادات وأحزاب، كانت منذ نشأتها تحمل مشاريع التجديد والحداثة، كالثورية والقومية والأممية والإشتراكية وغيرها، دراماتيكيّاً، وانقلابها على ذاتها وآيديولوجيّاتها ومشاريعها، التي قامت عليها أصلاً، لتنضوي كلّيّاً تحت مشاريع الإخوان المسلمين والسلفيّين والقوى التكفيرية الظلامية، ومعها عصابات البلطجة والإجرام، ليسير الكلّ في زفّة بالغة الغرابة، نحو التحالف، مع تحالف العدوان الإمبريالي الرجعي، ضدّ وطنهم وشعبهم، وحين تخلّت قوى الحداثة والتّجديد عن ذاتها ومشاريعها، نشأ فراغ سياسي فكري ثقافي هائل، لم يكن هناك من يملؤه سوى النّكوص، إلى مشاريع التخلّف الطائفي المذهبي العنصري البغيضة، ومع ذلك، ورغم ذلك، فلا نستطيع أن نقول، على الأقلّ حتّى الآن، أن تعز باتت عاصمة للطائفية والمذهبية والظلام، بل هناك أمل بالتشافي، والعودة إلى موقعها الوطني والحضاري المشرق.
من هو الطرف الغائب في معادلة تعز؟
الطرف الغائب الذي كان بمقدوره أن يحول دون تحوّل تعز إلى موقع الضدّ لموقعها الطبيعي، فأعتقد أنّه المؤتمر الشّعبي العام. فبعد انقلاب الناصري والإشتراكي (في معظمهما)على ذاتيّتهم وهويّتهم الفكرية والسياسية، كان بمقدور المؤتمر أن يسدّ الفراغ الفجائي، لوجوده ودوره المؤثّر في تعز، لكنّنا وجدناه محايداً، أو شبه محايد في معظمه، وبعض منه داهن العدوان ومرتزقته، ومنهم من قاتل معهم، واستقدمهم إلى مناطقه وقراه!
كقيادي ناصري بارز، وأب روحي للناصريّين في اليمن، كيف يبدو لكم موقف بعض قيادات "الناصري" المقيمين حاليّاً في السعودية؟
الحقيقة، أن ذلك النكوص الإرتدادي للكثيرين من قادة وكوادر الأحزاب، وخاصّة الناصري والإشتراكي تحديداً، مع بعض الشخصيّات والمنظّمات، التي تدّعي وصلاً بالليبرالية عموماً، ناهيك عن تيّارات الإسلام السياسي، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين، إلى نقيض ذواتهم وهويّاتهم وأهدافهم، إنّما يؤرّخ لسقوط مرحلة تاريخية، من النواحي السياسية والفكرية والإجتماعية، بكلّ ما فيها وما عليها، من منظومات قيم وأخلاقيّات، ومبادئ وأحزاب ومنظّمات وثقافات. ومن سقوط هذه المرحلة التاريخية، وعلى أطلالها، تجري عملية تفاعل تاريخي عميق، مؤذنة بحراك وفرز تاريخي جديد، ينشئ قواه الجديدة بمنظومات قيمه وأخلاقيّاته ومبادئه وأساليبه وثقافاته وفكره، مرحلة تاريخية جديدة، على أنقاض مرحلة تاريخية سقطت، أو هي آيلة إلى سقوط حتمي، بحكم التّاريخ وسننه الصارمة.
أبعد من اليمن، كيف توصّفون الأوضاع في المنطقة العربية عموماً؟
الأمّة العربية، ومعها بلدان الشرق الأوسط الأخرى، أدخلها المشروع الإمبراطوري الأميركي، الهادف إلى بسط هيمنته وسيطرته الأحادية على العالم، في صلب أجنداته واستراتيجيّاته الكونية، وحوّل بلدانها إلى جحيم من الفوضى العارمة والتدمير الذاتي والخارجي الشامل، لتشظئتها وتمزيقها، إلى كيانات أكثر هزالة وبؤساً، ممّا كانت عليه، لتمكين الكيان الصهيوني، قاعدة ذلك المشروع الإمبراطوري الأمريكي المتقدّمة، من السيطرة عليها والتحكّم بمصائرها ومستقبلها، لصالح ذلك المشروع الإمبراطوري الصّهيوأمريكي الغربي، والذي تُعدّ "إسرائيل" إحدى ركائزه الأساسية في الإقليم. وكلّ ذلك الذي يجري في البلدان العربية، ونشاهد وقعه وإيقاعاته، هو خطوة على طريق صراع دولي، بين القوى الكبرى في العالم، هدفه الأساس، إحكام الطوق والحصار للقوى المحتمل تشكيلها قوّة منافسة لسيطرة المشروع الإمبراطوري الأميركي على العالم، وخاصّة منها روسيا والصين والهند، ثمّ تأتي بعدها وليس قبلها، قوى غربية في أوروبا واليابان...إلخ.
كلمة أخيرة تودّ قولها؟
إن صمود جيشنا ولجاننا الشعبية، وقبائلنا الأبية، وتضحيات شعبنا العظيم الصابر الصامد، مكّننا اليوم من أن نرى بجلاء ووضوح لا غبش فيه، أن نصرنا الوطني المبين والناجز، قادم لا ريب فيه، بإذن الواحد القهّار، لنبني يمن العزّة والكرامة والعدل والتقدّم والإزدهار.
التعليقات