ترفض أحزاب ما يسمَّى "اللقاء المشترك"، المؤلّف من "الإصلاح" (إخوان اليمن) و"الإشتراكي" و"الوحدوي الناصري"، إدارة خلافاتها مع "أنصار الله" و"المؤتمر الشعبي" في فضاء وطني، وتصرّ على الإستمرار في مسارها الراهن، كأوعية وظيفية حاملة للخلافات السعودية مع اليمن. لذا، فإن ما تُسمَّى، تمويهاً، "الأزمة اليمنية اليمنية" تبقى قائمة في المفهوم الأممي المخاتل، حتّى إشعار آخر.
إنقشاع الأزمة ـ في الحقيقة ـ مرهون بقدرة هذه الأحزاب، أو عدم قدرتها على فكّ ارتباطها بالأجندة السعودية، والإنضواء في فضاء التسوية الوطنية الراهنة، التي أفضت إلى تأليف مجلس سياسي أعلى لإدارة شؤون البلد، حظي، السبت الفائت، بتزكية نوّاب الشعب، وأبقى على أبواب الشراكة مشرّعة أمام أيّ مكوّن يرغب في ولوجها بمقتضياتها الوطنية غير التعجيزية.
معضلة أحزاب "المشترك" الآنفة تكمن في أنّها سلَّمت رقبتها كلّيّاً للرياض، ومن ورائها واشنطن، وباتت خلافاتها لا مع "الأنصار" و"المؤتمر"، وإنّما مع الشعب والوطن المستهدَفين بالتمزيق والإحتلال. وفي نهاية المطاف، فإن نجاح التحالف السعودي الأمريكي في بلوغ أهدافه من العدوان على اليمن، يسلب هذه الأحزاب قيمتها بالمحصّلة، وإخفاقه في بلوغ أهدافه ـ كما هو الحال اليوم ـ يسلبها قيمتها أيضاً.
ما من حاضر ولا مستقبل لمن يسلّم اللصوص مفاتيح داره ويبيح لهم نهبها، وأحزاب "المشترك" فعلت وتفعل ذلك حين استفرغت نفسها، لتلعب دور حصان طروادة، يعبر القراصنة والغزاة والمحتلّون مختبئين في جوفه، لينهشوا عافية الوطن، وعرضه وسيادته واستقلاله.
فعلوا ذلك في "جنيف 1" وجنيف 2"، وفي مشاورات الكويت الأخيرة، واستنفدوا كلّ ذريعة تذرّعوا بها لإعاقة التوصّل إلى حلول عملية توافقية شاملة، تنهي العدوان على اليمن، وترفع الحصار، وتوقف حمّامات الدم المموّلة من خزائن مديرهم التنفيذي الإقليمي والدولي. وكان على القوى الوطنية والثورية، في الداخل اليمني، أن تجترح مساراً موضوعيّاً يتّسق مع الحاجة الشعبية لاستنقاذ البلد العالق بين فكّي كمّاشة العدوان العسكري والإقتصادي، وطاولة مشاورات تبديد الوقت والدم، فكان الإتّفاق السياسي والمجلس الأعلى خيار الشعب، ومسار الأمر الواقع.
وعوضاً عن أن تحاول أحزاب "المشترك" الإستدارة والعودة إلى الحاضنة الوطنية، انخرطت بابتذال وصفاقة في محاولات بائسة للبرهنة على جدواها، لجهة حاجة الرياض إلى كبح جماح التداعيات العسكرية الفادحة في عمقها الجنوبي، عبر تعشيم الرياض بأن صنعاء ستكون عمّا قريب بين يديها على طبق من ذهب، وأن "تحرير" تعز مسألة ذخيرة وبضعة مليارات أخرى، ليس إلّا.
مطلع الأسبوع الجاري، تجاوز الجيش واللجان الشعبية طور صدّ زحوفات مرتزقة وعملاء التحالف السعودي الأمريكي على فرضة نهم، شرق صنعاء، إلى طور تطهير البؤر الواقعة ما بعد الفرضة، على مقربة من مركز محافظة مأرب، من مجاميع وفلول المرتزقة، وسقط لـ"التحالف" مئات القتلى، وتكبّد خسائر فادحة في العتاد الحربي، أمّا على الجبهة الجنوبية والجنوبية الغربية، فأحكم الجيش واللجان سيطرتهم على مديرّيات الصلو والأحكوم وحيفان، وتقدّموا باتّجاه مديرية الشمّايتين، فأوصدوا شريان الإمداد العسكري الأخير لعصابات المرتزقة داخل مدينة تعز، بالسيطرة النارية على نقيل هيجة العبد، الرابط بين العصابات وبين مقرّ قيادة "التحالف" في عدن.
في الأثناء، يتوغّل أبطالنا، بوتيرة تصاعدية متسارعة، في العمق الجنوبي للمملكة، ويتصيّدون جماجم الجنود السعوديّين بالعشرات، ويدمّرون المزيد من العتاد الحربي الأحدث والأفتك.
تخسر أحزاب "المشترك" ما تبقّى لها من مثاقيل جدوى في نظر الرياض، وتتأزّم هذه الأخيرة أكثر فأكثر بمضيّ المجلس الأعلى قدماً، حاصداً اعتراف المزيد من الأطراف الدولية الفاعلة، بالتوازي مع تداعي جنوبها عسكريّاً، ويضعها ذلك أمام خيارين: إمّا التمادي في الخيار العسكري والذهاب نحو حتفها، أو الإنخراط عاجلاً في مسار تفاوضي ثنائي مع صنعاء ـ المجلس الأعلى.
وفي كلّ الأحوال، فإن أحزاب "المشترك" العميلة ستكون الأضحية الحتمية على مذبحَي التفاوض والحرب، ما لم تطرأ معجزة تقلب الواقع الموضوعي الراهن رأساً على عقب، وتعتق رقبتها من طوق العمالة والإستلاب، لتعاود حضورها بصورة وازنة في سياق الشروط الوطنية وبحر الشعب.
لكن زمن المعجزات ولّى، باستثناء ما يجترحه الشعب اليمني وجيشه ولجانه، من صمود وبطولات.
التعليقات