على الطرف الغربي- الجنوبي لأمانة العاصمة صنعاء، تربض ربوة جبلية متعرّجة، تحيط بها 5 أحياء سكنية وتجارية من الشرق والجنوب، ومن الإتّجاه الغربي الشمالي وديان زراعية وقرى سكنية وأثرية، ينتهي امتدادها عند أسفل جبل عيبان، البالغ ارتفاعه 2700 متر. إنّها عطّان، منطقة عسكرية تحمل أقوى الصواريخ الباليستية في أحشائها، ولذلك باتت محاولات الإقتراب من أطرافها شبهة وجناية مكتملة الأركان، ترمي بصاحبها في غياهب المعتقلات، فكيف لو أنّ الإقتراب من هذه المنطقة بهدف إجراء تحقيق صحفي؟
خلال الـ25 يوماً الأولى من عمر "عاصفة الحزم"، كانت منطقة عطّان مسرحاً وهدفاً دائماً لأسراب الطائرات الحربية التابعة لـ"التحالف العربي"، ليلاً ونهاراً، ومن لم يلق حمولته في عطّان فإن عيبان والنهدين" في الجوار، لدرجة بعثت على التندّر لدى اليمنيّين، حينما أطلقوا تعليقات ساخرة على مسار طيران "التحالف"، تصوّر ثلاثي عطّان، عيبان، والنّهدين محطّات خطّ رحلة قطار، أو ميادين توقّف ومغادرة مسافرين (فرزة) متعارف عليها، في خطوط حافلات النقل الجماعي.
أعنف الغارات
يُقدّر حسن عبد الهادي، عامل في محلّ تجاري في واحد من أحياء المنطقة، عدد الغارات التي استهدفت عطّان بأكثر من 130 غارة، لكن واحدة منها لا يُمكن أن تُمحى من ذاكرته. يستعرض حسن، أثناء حديثه لـ"العربي"، آثار جروح في جسده، جرّاء الغارة الجوّية، التي استهدفت المنطقة، ظهيرة الإثنين 20 أبريل 2015م، والتي تُعدّ، بحسب سكّان المنطقة، واحدة من أعنف الغارات وأشدّها قوّة وانفجاراً، "لقد دمّرت واجهات المبنى، وأتلفت لدينا بضائع كثيرة، هذه آثار بعض شظايا الزجاج المتطاير في جسدي"، يكمل حسن رواية المشهد، مشيراً إلى سحابة كبيرة من الدخان والغبار، غطّت سماء العاصمة صنعاء.
وتتحدّث المصادر الرسمية، من جهتها، عن مقتل 90 شخصاً في هذه الغارة، وجرح أكثر من 398 آخرين، أصيب معظمهم بسبب شظايا الإنفجار، وتحطّم أجزاء من المباني عليهم، كما تهشّمت سيّارات في الشوارع والورش المجاورة؛ وأعلنت وزارة الداخلية، المسيطر عليها من قبل "أنصار الله"، حينها، أن الضحايا بلغوا 579 شخصاً، بينهم 84 قتيل.
وعلى مقربةٍ من المنطقة، ما يزال هاني صلاح، عامل في محطّة للمشتقّات النفطية، يتذكّر تفاصيل اللحظة. يقول هاني، لـ"العربي"، إنّه "كانت هنا، على بعد 6 كيلومترات من موقع الغارة، ترتصّ مئات السّيارات في طابور طويل، وكنّا بانتظار وصول قاطرة بترول لتفريغها في خزّانات المحطّة، ومن ثمّ تعبئة السيّارات"، ويلفت إلى "تضرّر جميع السيّارات" جرّاء القصف، و"سقوط قتلى كانوا يعبرون الشارع العام".
في الذكرى الأولى للحادثة، نفّذ مواطنون ومنظّمات مدنية وقفة احتجاجيّة في عطّان، اتّهموا فيها "التحالف" بإلقاء قنبلة فراغية على المنطقة.
شظايا وغازات
إلى الجنوب من المنطقة، يقع "حصن عطّان"، وهي قرية تاريخية محاطة بسور، يعود تاريخ بنائها لآلاف السنين. لم يشفع لها قدمها وتراثها الإنساني في حمايتها من لظى نيران الحروب، وشظايا القصف والإنفجارات. يروي أحمد القرماني، أحد المتضرّرين من سكّان القرية، "أنّهم وعدداً من الأسر (عشرات) نزحوا منها، بعد الإنفجار الكبير، ظهر يوم الإثنين 20 أبريل، إلى أسفل مجرى السيول الإسمنتي على الطريق العام، أسفل جبل عطّان"، متذكّراً، في روايته للحادثة، "اهتزاز منازلهم، وسقوط معظمها جرّاء الإنفجار القوي داخل المعسكر، والذي قذف إليهم بالأحجار والشظايا من كلّ أنحاء المنطقة".
ويضيف القرماني، لـ"العربي"، أنّه "كانت تنزل علينا (الشظايا) مثل الأمطار، وكاد الغبار وروائح منبعثة تخنقنا، تحوّلت منازلنا إلى ركام، وكان علينا الإسراع في حمل الأطفال ومغادرة المنطقة".
مخلّفات القصف
إلى الغرب من المنطقة العسكرية دائمة الإستهداف بغارات طيران "التّحالف العربي"، يمكن المرور( بواسطة دليل من أبناء المنطقة) عبر طرق محدّدة، باتّجاه القرى المتناثرة أسفل جبل عيبان، لكن محاولة التقاط صورة فوتوغرافية، هنا، مغامرة محفوفة بالمخاطر والمشاكل. ولذلك، ليس عليك إطالة النظر، فركام المباني وحطام الهناجر الحديدية ليس بالمشهد الجديد في الحروب، لتبقى أمامك رؤية بقع سوداء ورمادية متناثرة، تُلطّخ تراب الحقول الزراعية في المنطقة، وبرك مائية متفرّقة مختلفة الأحجام، تجمّعت فيها مياه الأمطار، ويستفيد منها حاليّاً رعاة الأغنام والمواشي.
يعتقد أحد أبناء القرية (طلب التحفّظ على هويّته) أن هذه البرك المائية تشكّلت بفعل غارات طيران "التحالف"، وخاصّة تلك التي وقعت في أراضٍ زراعية أو رمال، متابعاً في حديثه لـ"العربي"، أنّه "يتراوح عمقها ما بين 5 و8 أمتار، ومحيطها من الأعلى ما بين 15 و20 متراً". ويُقدّر الرجل عدد الغارات والضربات الصاروخية بالمئات، قائلاً: "يا أخي ضربات الطيران هنا لا تُعدّ، كانت المنطقة تتلقّى يوميّاً عشرات الغارات العام الماضي".
بالإضافة إلى هذه القرى، تضمّ المنطقة أربعة أحياء سكنية (حارات)، تقع أطراف العاصمة صنعاء، هي حارة الخليل، الغولة، البرّ، إبن سينا. وبحسب مصادر رسمية، يُقدّر عدد المنازل في أحياء فجّ عطّان بنحو 2300 منزل (إحصائيّات 2004م)، في حين يتجاوز عدد الأسر فيها 13 ألف أسرة.
وإجمالاً، يمكن القول إن أحداث عطّان، برمّتها، ما تزال محاطة بالغموض والريبة، وما يبدو واضحاً، بسهولة، أن سكّان المنطقة تعبوا في حصر وتتبّع بقع الصورايخ الملقاة بجوارهم وفوق رؤوسهم، ليبقى السؤال، بناءً على ذلك: هل هرمت طائرات "التّحالف" مثلهم؟
التعليقات