حينما وصل إلى العراق للمشاركة في مهرجان "أبي تمّام"، عام 1970م، لم تعجب البعض هيئته وملابسه البسيطة، ولذلك سارعت الشاعرة العراقية، لميعة عبّاس، إلى إقناع وزير الثقافة العراقي آنذاك، شفيق الكمالي، بأهمّية مشاركة صاحبنا، حتّى لا تكون بساطته تلك سبباً في تقديم غيره من الشّعراء، ومن يمكن وصفهم بالمتأنّقين، اتّساقاً مع دبلوماسية مثل هذه المؤتمرات.
ما إن صعد إلى المنصّة لإلقاء قصيدته الشهيرة "أبو تمّام وعروبة اليوم"، حتّى تسمّر عمالقة الشعر المشاركون في الملتقى على مقاعدهم، وهم يشاهدون نهوضه كأبي العلاء المعرّي، وقامته كأبي تمّام والمتنبّي. لقد بدا لهم حالة تاريخية نادرة في وجه إنسان، وحاضر أمّة في عينيه، ومستقبلها في قصائده.
ووسط الحشد الهائل من شعراء الوطن العربي، والنّقاد، والمسؤولين، والمثقّفين، والصحافيّين، ورجال العلم والأعمال، أطلق بائيّته، مخاطباً حبيب بن أوس بن الحارث الطائيّ، أحد الشعراء المتميّزين في العصر العبّاسي، والمكنّى بأبي تمّام، وجاء في مطلعها:
"ما أصدقَ السّيف إنْ لم ينْضِهِ الكذِب... وأكذبَ السّيف إن لم يصدق الغضب"
وحسب الشاعر والمؤلّف المسرحي العراقي، معد الجبوري، الذي روى الواقعة (صحيفة المثقّف، 2012م)، فقد تمكّن البردّوني من إسكات ناقدي هندامه، وضجّت القاعة تصفيقاً وتكبيراً، حتّى التهبت الأيادي وبُحّت الحناجر، فليس معهوداً أن رجلاً كفيفاً، بمثل هذه الهيئة، يمكن أن يفاجئ قاعة تحتضن كبار الشعراء، من أمثال نزار قبّاني ومحمود درويش والجواهري والبيّاتي، وغيرهم من الأفذاذ الذين لم يجدوا بعدها بُدّاً من القيام إليه ومصافحته.
إنّه ملك البلاغة والموهبة، وأمير البيان والدهشة، الشاعر، والمفكّر، الأستاذ عبد الله البردّوني، رحمه الله. هي ظاهرة العميان العباقرة، التي ينتمي إليها صاحبنا القادم "من أرض بلقيس"، بكلّ ثقة واقتدار، حاملاً في ثناياه "كائنات الشّوق الآخر"، وقد أعياه "السّفر إلى الأيّام الخضر"، وأجهده انتظار "رجعة الحكيم بن زايد" في "زمانٍ بلا نوعيّة" (من دوواين البردّوني).
في حضرة أبي تمّام
قبل غزو أمريكا للعراق بأكثر من ربع قرن، وقف البردّوني يصوّر لنا ذلك، حتّى تردّد علينا مصطلح "علوج الرّوم" بلسان وزير الإعلام العراقي، محمد سعيد الصحّاف. خمسة عقود ونيف مضت على قصيدته العصماء، ولا تزال حروفها تتحدّث عن نفسها اليوم، والواقع العربي يزداد سوءاً، في "حيفا والنقب" بفلسطين، وفي "صنعاء" اليمن، ولا تزال "اليوم عادت علوج الروم فاتحة" لتنظم عواصم ومدن عربية جديدة تحت "سحب الميراج"، ولا يزال البردّوني ناطقاً رسميّاً باسم صنعاء ومعاناة سكّانها، بل إنّه استقرأ الأحداث الجارية منذ مطلع العام 2015م، متنبّئاً بالتدخّل العسكري في اليمن.
"حبيب وافيت من صنعاء يحملني
نسر وخلف ضلوعي يلهث العربُ
ماذا أحدّث عن صنعاء يا أبت
مليحة عاشقاها السّل والجربُ
إلى أن يقول في القصيدة، مخاطباً أبا تمّام:
يكفيك أن عدانا أهدروا دمنا
ونحن من دمنا نحسو ونحتلبُ
سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا
يوماً ستحبل من إرعادنا السّحبُ"
"العاصفة" و"التحالف" في تنبّؤات البردّوني!
يُجمع النقّاد على أنّ البردوني لم يكن متنبئ عصره فحسب، بل تنبّأ بأحداث في عصور لم تأتِ، فسابق بذلك الزمن بُعداً وحضوراً، ونبّأ، مستخدماً مصطلحاتٍ تتشابه حدّ التّطابق مع واقع اليوم. فما إن شنّ طيران قوّات "التّحالف العربي" أولى غاراته على اليمن، عشية 26 مارس 2015م، حتّى رتّل خصوم "عاصفة الحزم" قصيدته الشّهيرة "مصطفى"، إحدى أشهر قصائد البردوني حضوراً في الوجدان:
"فليقصفوا لست مقصف
وليعنفوا أنت أعنف
وليحشدوا أنت أدرى
أن المخيفين أعنف"
"يا مصطفي أيّ سرٍّ
تحت القميص المنتّف
لهم حديد ونار
وهم من القشّ أضعف
يخشون إمكان موتٍ
وأنت للموت أألف"
وقبل عشرات السنين، استدعى البردّوني "الهدهد"، ليروي له "النبأ اليقين"، قائلاً:
"يا هدهد اليوم، الحمولة
فوق طاقتك القويّة
هل جئت من سبأ؟
وكيف رأيته؟... أضحى سبيه!
ولّى، عليه عباءة
من أغنيات الدّودحيه
سقط المتاجر، والتجارة
والمضحّي، والضّحية
حتّى البقاع هربن من
أسمائهن الحميريّة"
أمّا قصيدته "سفّاح العمران"، فيلاحظ القارئ أنّ البردّوني تطرّق فيها بإسهاب، إلى تأثير المال، وشراء المواقف:
"يا قاتل العمران.. أخجلت المعاول.. والمكينة
ألآن في فمك النفوذ وفي يديك دم الخزينة؟
جرّحت مجتمع الأسى وخنقت في فمه.. أنينه
وأحلت مزدحم الحياة خرائباً ثكلى طعينة
ومضيت من هدم إلى هدم كعاصفة هجينة"
وكما لو أنها أبيات نظمت غداة اندلاع الحرب في اليمن، ينشد البردّوني معاناة الهاربين من المعارك:
"سل ألف بيتٍ عطّلت كفّاك مهنتها الضنينة
كانت لأهليها متاجر مثلهم صغرى أمينة
كانوا أحقّ بها كما كانت لمثلهم قمينة
فطحنتها... ونفيتهم، من للضحايا المستكينة؟
أخرجتهم كاللاجئين بلا معين أو معينة
وكنستهم تحت النّهار كطينة تجترّ طينة
فمشوا بلا هدف بلا زاد سوى الذّكرى المهينة
يستصرخون الله والإنسان والشمس الحزينة
يا سارق اللقمات، من أفواه أطفال المدينة
يا ناهب الغفوات من أجفان صنعاء السّجينة
من ذا يكفّ يديك عن عصر الجراحات الثخينة
من ذا يلبي لو دعت ها ذي المناصات الدفينة
من ذا يلقّن طفرة الإعصار أخلاقاً رزينة
نأت الشواطئ يا رياح فأين من ينجي السّفينة؟!"
وفي مقطع ثان، يقول:
"عرفتَ اليومَ كيف ترى
بدأتَ أوانكَ الذّهبي
ستثني كلّ عاصفةٍ
بهذا المشجب القصبي
بأفواجٍ مِن الأغراب
تدعى: الفيلق العربي"
ويعرّج البردّوني على جنوب اليمن:
"أهلاً بعاصفة الحوادث، إنّها
في الحي أنفاس الحياة تردّد
لو هزّت الأحداث صخراً جلمداً
لدوّى وأرعد باللهيب الجلمد
بين الجنوب وبين سارق أرضه
يوم تؤرخّه الدماء وتخلد"
متسائلاً، في قصيدة أخرى، عن الأوضاع في الجنوب:
"فـكـيـف لانــت لـجـلاد الـحـمى عــدن.. وكــيـف ســاس حـمـاها غــدر فـجّـار؟"
ويجهر البردّوني، في إحدى قصائده، بموقفه القاسي من النظام العربي:
"أمير النّفط نحن يداك نحن أحدّ أنيابك
ونحن القادة العطشى إلى فضلات أكوابك
ومسؤولون في صنعاء وفرّاشون في بابك
ومن دمنا على دمنا تموقع جيش إرهابك
لقد جئنا نجرّ الشعب في أعتاب أعتابك
ونأتي كلّ ما تهوى نمسّح نعل حجّابك"
نكهة أرض بلقيس وعبق تاريخها
في حديث قصير، لـ"العربي"، يرى المصوّر الصحافي، وأحد جلساء البردّوني، عبد الرحمن الغابري، أنّ البردّوني أخذ على كاهله قضية شعب في أزمنة الموت بالمجّان، متسائلاً: "أليس البردّوني حي في ضمير الأمّي والمتعلّم والمستقلّ، ومكروه لدى الطّغاة والنصّابين وقادة أحزاب العصابات؟!"
ستفنى كلّ الأقاويل، والأحاديث، والروايات، والكتابات والسياسات، والخطابات والشهادات المزيّفة الكاذبة ويبقى، حسب الفنّان الغابري، البردّوني، أيقونة شعبٍ، ونهراً يروي العطشى، لن ينضب. وهي رؤية يوافقها أستاذ الأدب والنقد بجامعة صنعاء، إبراهيم أبو طالب، والذي قال في حديث له عن البردّوني "لم تهبْنا جغرافيا اليمن نهراً، فكان نهرنا هو البردّوني، لا ينقطع انهماره بانقطاع الأمطار وتغيّر المواسم، لكنّه خالدٌ متدفّق عبر الأيام".
وصفه صديقه الشّاعر الكبير، الدّكتور عبد العزيز المقالح، في مقدّمة ديوانه، بأنّه "شاعر ثوريٌّ عنيفٌ في ثوريته، جريء في مواجهته"، وقيل عنه ثائرٌ على منظومة الجهل، والظّلم، والتخلّف، والاستبداد بكلّ صوره وأشكاله ومسمّياته.
تحت عنوان "البردّوني نهر اليمن، حياته وشعره.. العذاب البديع 2012م"، يؤكّد أستاذ الأدب والنقد الحديث المساعد، بجامعة صنعاء، الشاعر إبراهيم أبو طالب، أنّ "أيّ حديث عن عبد الله البردّوني سيبدو ناقصاً، وأنّ أي قول في أدبه، شعراً أو نثراً، فكراً أو فلسفةً، سيغدو باهتاً، لولا أن ما يشفع لذلك الحديث وهذا القول هو أفق المتحدّث عنه، وغزارة عوالمه، وامتداد ألقه"، ويوضح متسائلاً "كيف لا وهو ذلك الكبير في مسعاه، الكثير في محبّيه، الصادق في موهبته، المخلص في ثقافته، المتدفّق في نتاجه، وهو فوق كلّ ذلك الشاعر الشاعر". وفي مدوّنته، يضيف رئيس قسم رعاية المبدعين بجامعة صنعاء، واصفاً البردّوني "إنّه عَالَمٌ واسعٌ من الموهبة، إمتدَّ صوته الشعري إلى كلّ الأصقاع وملأ الدنيا، وشغل الناس بشعرٍ قادمٍ من أرض بلقيس".
"من أرض بلقيس هذا اللحنُ والوتر
من جوّها هذه الأنسامُ والسحرُ
من السعيدة هذي الأغنياتُ ومن
ظلالها هذه الأطياف والصورُ
يا أمّي اليمن الخضراء فاتنتي
منك الفتون ومنّي العشق والسهر"
له نكهة أرض بلقيس، وعبق تاريخها، ووجه إنسانها، وروح قراها وعذوبتها، وتمدّن حواضرها. شعرالبردّوني، بحسب الدّكتور إبراهيم أبو طالب، يحمل جيناته اليمنية الخاصّة، من ذمار ومن صنعاء، من عدن ومن حضرموت، من الجوف ومن شبوة، من جبال اليمن وسهولها ووديانها وسواحلها، إنه شعرٌ يحملُ ماءَ الإنسان اليمني وطينَتَه.
شهادات ومذكّرات
يقول الناقد السّوري، الدكتور وليد مشوّح، إنّ البردّوني فتح للقصيدة التقليدية طاقات المعاصرة والحداثة، وتمكّن من تطوير الشكل ليخضع للغة الجديدة التي تطوّرت على يديه، مشيراً إلى أنّ النزعة الدرامية كانت أحد أهمّ العناصر التي وظّف بها البردّوني أداته الشعرية لخدمة رؤيته الفنية. ويرى الشاعر اللبناني، عبّاس بيضون، في البردّوني، معجزة الشعر، مثلما كان المعرّي من قبل، وطه حسين من بعد، معجزة النّثر.
ويكتب الصّحافي والكاتب السّعودي، تركي السّديري، عن البردّوني، أنّه عاش متواضعاً للغاية، وكانت كلّ السلطات المتعاقبة على حكم اليمن تعرف قيمته، واحترامه، ويتخاطف القرّاء العرب دواوينه، التي اختلطت فيها مشاعره، وآراؤه باختلاف المؤثّرات التي تعاقبت عليه، والمعلومات التي واصل بها تنمية شاعريته.
وحينما رحل البردّوني، كتب الشّاعر والكاتب السّوري، بيان الصّفدي، قائلاً "أشعر بأن الصوت اليمني الخاصّ - البردّوني - جدّاً لن يتكرّر ثانية، لأن البردّوني حالة عجيبة من التكوين الجسدي، والنفسي، والفنّي، إنه مزيج من عهود وفنون، وأشكال، حتّى وجهه المجدور، كان يختصر في وجوه اليمنيين التي مرّت عليها عشرات السنوات، وهي تحاول الخروج من عزلة التاريخ وبؤسه". في حين، رأى الكاتب الصحافي والباحث من اليمن، عبد الباري طاهر، أنّ هذا البردّوني العظيم الذي يتحدّى الموت بنسيانه، قد دخل عالم الأبديّة، والخلود، ونسي أن يموت، مشيراً إلى أنّ "رحيل البردّوني - الجسد الذاوي - يصبح فلكاً، وعالماً من الإبداع، والتجدّد والديمومة"، فهو، حسب طاهر، تماهى بمجد الكلمة ليكون كلمة، وطلب الموت لتوهب له الحياة.
وعن البردّوني يقول وزير الثقافة الأسبق، خالد الرويشان، في فعّالية عامّة عن الراحل، إنّه عاش داعياً إلى قيم الحرّية والعدالة والتحديث، معتدّاً بنفسه، معتزّاً بآرائه، معلناً حرباً بلا هوادة على كلّ أشكال القبح، عصيّاً على التدجين والإحتواء، وبسبب ذلك عاش فقيراً معدماً، لا يجد كفاف يومه، وقد مات على ذلك دون أن يعلم به أحد. ويدعو زميله الشاعر، الدكتور عبد العزيز المقالح، إلى جعل إبداعه الشعري محلّ دراسات نقدية متنوّعة، مؤكّداً أنّ وضع البردّوني في صدارة المجدّدين المعاصرين قضيّة لا يختلف عليها اثنان، وأنّ نقّاد اليوم، والغد، سيقفون في ظلال هذه الدوحة الخضيرة طويلاً.
بصير في زمن أعمى
الكاتب المغربي، المصطفى البركي، يرى، من جانبه، أنّ البردّوني هو الشّاعر الذي صنع من القصيدة قرص خبز الفقراء، وكراسة ثقافة، وجامعة شاملة، وهو البصير في الزمن الأعمى، والموقف في زمن بلا موقف، مشيراً إلى أنّ البردّوني، شكّل حالة خاصّة في المشهد الإبداعي والثّقافي، في اليمن خاصّة، والعربي إلى حدّ كبير، فقد حمل اليمن، حسب البركي، يمن الفقراء والمغلوبين على أمرهم، معطفاً فوق ظهره، وراح يتنقّل به عبر بوّابات العالم، صارخاً محتجّاً في وجه الظّلم والإضطهاد والاستعمار، بكلّ أشكاله وصوره، ممّا أكسبه شخصيّة كارزميّة قوية الحضور في أوساط الناس ووجدانهم.
لا أحد يستطيع، وهو يقرأ للبردوني، فصل حياته عن إبداعه، فكلّ حياته كانت مكرّسة للإبداع والكتابة، إمّا فعلاً يتحقّق شعراً ودراسات مختلفة، وإمّا قراءة ومثاقفات، يبحث من خلالها عن وجوه للتحقّق الإبداعي والفكري، أشكالاً ومضامين ورؤى.
مطالب بتشريح جثّته
في حوار له، نشرته وكالة "أنباء الشعر" عام 2010م، يصف جليس البردّوني لمدّة 35 عام، عبد الإله القُدسي، شاعرنا بالقول "كان يُمثّل نسيجاً لوحده، فهو متعدّد الجوانب المعرفية، فإن شئت تُسمّيه الفيلسوف، وإن شئت تُسمّيه البردّوني الأديب والشّاعر الكبير، وإن شئت تُسمّيه البردّوني المفكّر والمؤرّخ". ويؤكّد القدسي صحّة واقعة قدوم قبيلته "الحدا" بعد وفاته ومطالبتها بتشريح جثّته قبل دفنه، خشية أن يكون مات مسموماً، ويضيف "لكنّنا قمنا حينها بإقناع أفراد القبيلة بالعدول عن مطالبهم، والتوضيح لهم بأن البردوني كان يعاني من العديد من الأمراض قبل وفاته حيث مات موتة طبيعية".
مجالس البردوني
عن مجالس البردّوني، يروي الأديب والناقد اليمني، عبد الله علوان، أنّها كانت مصدراً من مصادر شعره، فلمجالسته أثر شاعري قوي، لأنّه لا يجالس أصدقاءه أو أعداءه أو زوّاره، وفي يده هراوة البابوية، بل كان يحاورهم بالكلمة الصادقة، يقبل ويرفض، يسمع ويتكلّم، يعارض ويقول رأيه بهدوء وأدب، حتّى وإن شطّ محاوره، مشيراً إلى أنّ قصيدة "أنسى أن أموت" هي واحدة من مؤثّرات جلسائه الذين يساومونه على الكلمة فيأبي، وذلك، حسب علوان، في إشارة إلى ماوصفها "قوى سلطويّة غاشمة"، حاولت توجيهه إلى وجهة غير الحقّ، فصدّها.
"تمتصّني آهات هذا الليل في شرهٍ صموت
وتعيد ما بدأت وتنوي أن تفوت ولا تفوت
وتثير أوجاعي وترغمني على وجع السكوت
وتقول لي: مت أيّها الذاوي فأنسى أن أموت"
نوادروطرائف
في إبريل هذا العام، كتب عبد الرقيب الوصابي، في صحيفة "المنتصف" اليمنيّة، تحت عنوان "مقاربة في طرائف البردّوني ونوادره"، نختار منها مايلي:
- في نهاية السبعينات جاء أحد الشّعراء النظامين إلى منزل البردّوني زائراً، وأثناء الحديث أراد الشاعر أن يلفت انتباه البردّوني، فقال: لقد اتّجهت أخيراً، وعن قناعة، إلى كتابة الشعرالحديث، وأسمعه بعض مقاطع، وكان منها مقطع يقول "الشمس تقبل وجنة حبيبتي"! فقال له البردّوني: يا عزيزي ليس في ما أسمعتني أي جديد، فقال الشاعر "الشمس تقبّل وجنة حبيبتي" هذه صورة فنّية حداثية إبداعية، فردّ عليه البردّوني "ليس في هذا أيّ جديد، فالشمس تقبّل حتّى وجنة الكلب".
- كان البردّوني ذات يوم في مجلس حكومي رفيع المستوى، فسأله أحدهم، بقصد إحراجه، وكان ذلك قبل قيام الوحدة: لماذا يا أستاذ عبد الله لا تكتب عن الديمقراطية والحرّية؟ فأجاب على الفور: الغيبة حرام.
- وذات مرّة، كان البردّوني في حلقة نقاش على الطائرة، فتعجّب من اللجهة التي يتحدّث بها المثقّفون، والتي هي مزيج من الفصحى والعامّية، فعلّق عليها بالقول"إنها تمثّل نوعاً من الفصعمي".
- ويحكى أن الأستاذ أحمد الجرموزي استضاف في منزله بتعز الأستاذ البردّوني، وبعد ساعات رأى الجرموزي الشرطة وهي تجرّ الجزّار الذي اشترى منه اللحم، فقد اكتشف أنّه يذبح حمير، فرجع إلى بيته مسرعاً يطمئن على صحّة البردّوني، وقال له يا أستاذ: كيف صحّتك؟ الجزّار خدعنا وباع لنا لحم حمار! فردّ البردّوني بسخرية: "والله يا أحمد أنّه أحسن مرق شربناه".
ويرى الكاتب عبد الرقيب الوصابي أنّ سخرية البردّوني وحدّة تهكّمه وكثافة أجوبته المسكتة، تكشف عن شخصية استثنائية توّاقة للانعتاق والتغيير، وعن روح غريب لا يرى في حياة الآخرين ما يهواه أو ما يجذبه للتّصالح معهم، وغضّ الطرف عن سطحيتهم وادّعاءاتهم.
دواوين وأعمال نقدية
صدر للبردّوني 12 ديواناً، هي: "من أرض بلقيس" (القاهرة، 1961م)، "في طريق الفجر" (بيروت، 1967م)، "مدينة الغد" (بيروت، 1970م)، "لعيني أم بلقيس" (بغداد، 1972م)، "السفر إلى الأيام الخضر" (دمشق، 1974م)، "وجوه دخانية في مرايا الليل" (بيروت، 1977م)، "زمان بلا نوعية" (دمشق، 1979م)، "ترجمة رملية لأعراس الغبار" (دمشق، 1981م)، "كائنات الشوق الآخر" (دمشق، 1987م)، "رواغ المصابيح" (دمشق، 1989م)، "جواب العصور" (دمشق، 1991م)، "رجعة الحكيم ابن زايد" (بيروت، 1994م).
ومن أعماله النّقدية: "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه" (1972)، "قضايا يمنية" (1977)، "فنون الأدب الشعبي في اليمن" (1982)، "الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية" (1987)، "الثقافة والثورة" (1989)، "من أوّل قصيدة إلى آخر طلقة: دراسة في شعر الزبيري وحياته" (1993)، "أشتات" (1994)، "اليمن الجمهوري" (1997).
أعمال غير مطبوعة
وللبردّوني 5 أعمال غير مطبوعة، هي، "رحلة ابن من شاب قرناها" (ديوان شعر)، و"العشق على مرافئ القمر" (ديوان شعر)، و"العم ميمون" (رواية)،و"الجمهورية اليمنية" (كتاب)، بالإضافة إلى، "الجديد والمتجدّد في النقد الأدبي" (دراسة).
جوائز دولية
خلافاً للأوسمة التي تقلّدها، والجوائز المحلّية التي حصدها، نال البردّوني، عدداً كبيراً من الجوائز العربية والدولية، نذكر منها جائزة "أبي تمّام" بالموصل، العراق، عام 1971م. وفي عام 1981م، نال البردّوني جائزة "شوقي" بالعاصمة المصرية القاهرة. ونال في العام التالي جائزة الأمم المتحدة "اليونسكو" والتي أصدرت عملة فضيّة عليها صورته كمعوّق تجاوز العجز، وحصد جائزة مهرجان "جرش" الرابع بالأردن عام 1984م،ثمّ جائزة "سلطان العويس" بالإمارات العربية المتّحدة عام 1993م.
دراسات عن البردّوني
1- "البردوني شاعراً وكاتباً" لطه أحمد إسماعيل (رسالة دكتوراه، القاهرة).
2- "الصورة في شعر عبدالله البردّوني"، د. وليد مشوح (سوريا).
3- "شعر البردّوني"، محمد أحمد القضاة (رسالة دكتوراه، الأردن).
4- "قصائد من شعر البردّوني"، ناجح جميل العراقي.
البردّوني بلغات عالمية
ترجم عدد من أعمال البردّوني إلى لغات عالميّة، منها:
- عشرون قصيدة مترجمة إلى الإنجليزية في جامعة "ديانا" في أمريكا.
- "الثقافة الشعبية" مترجمة إلى الإنجليزية.
- ديوان "مدينة الغد" مترجم إلى الفرنسية.
- "اليمن الجمهوري" مترجم إلى الفرنسية.
- كتاب بعنوان "الخاص والمشترك في ثقافة الجزيرة والخليج"، مجموعة محاضرات بالعربية لطلاب الجزيرة والخليج، ترجم إلى الفرنسية.
حياة البردّوني
- ولد عبد الله بن صالح بن عبد الله بن حسين البردوني، في قرية البردون، شرق مدينة ذمار، عام 1929م.
- أصيب بالجدري وهو في الخامسة أو السادسة من عمره، وعلى إثرها فقد بصره.
- بدأ تلقّي تعليمه الأوّلي في قريته وهو في السابعة من العمر، وبعد عامين انتقل إلى قرية الملّة عنس، ثم انتقل إلى مدينة ذمار، وهناك التحق بالمدرسة الشّمسية.
- وحين بلغ الثالثة عشرة من عمره، بدأ يغرم بالشعر، وأخذ من كلّ الفنون، إذ لا يمرّ مقدار يومين ولا يتعهّد الشعر، قراءة أو تأليفاً.
- إنتقل إلى صنعاء، قبل أن يتمّ العقد الثاني من عمره، حيث درس في جامعها الكبير، ثمّ انتقل إلى دار العلوم في مطلع الأربعينيات، وتعلّم كلّ ما أحاط به منهجها، حتّى حصل على إجازة من الدّار في "العلوم الشرعية والتفوق اللغوي".
- عُيّن مدرّساً للأدب العربي شعراً ونثراً في دارالعلوم.
- رأس لجنة النصوص في إذاعة "صنعاء".
- ثم عُيّن مديراً للبرامج في الإذاعة إلى عام 1980م.
- إستمّر في إعداد أغنى برنامج إذاعي ثقافي في إذاعة "صنعاء": "مجلّة الفكر والأدب"، بصورة أسبوعيّة، طيلة الفترة من عام 1964م حتّى وفاته.
- عمل مشرفاً ثقافياً على مجلّة "الجيش"، من 1969م إلى 1975م.
- كان له مقال أسبوعي في صحيفة "26 سبتمبر"، بعنوان "قضايا الفكر والأدب".
- ومقال أسبوعي في صحيفة "الثّورة"، بعنوان "شؤون ثقافية".
- من أوائل مؤسّسي إتّحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين، وقد انتخب رئيساً للاتّحاد في المؤتمر الأوّل.
- إعتقل عام 1948م، بسبب شعره، وسجن 9 شهور.
- عمل، خلال الفترة من 1954 إلى 1956م، وكيلاً للشريعة (محامٍ)، وترافع في قضايا النساء، فأطلق عليه لقب "وكيل المطلّقات".
- توفّيت والدته عام 1958م.
- وبعدها بعام، اقترن بزوجته الأولى، فاطمة الحمّامي.
- وفي عام 1977م، اقترن بزوجته الثّانية، فتحية الجرافي، بعد 3 سنوات على وفاة زوجته الأولى.
- توفّي والده عام 1988م.
- وعام 1998م، سافر إلى الأردن لتلقّي العلاج، وكانت تلك محطّته الأخيرة.
- وصبيحة الإثنين 30 أغسطس من العام 1999م، أعلن توقّف قلب البردّوني عن الخفقان، بعد أن خلّد اسمه كواحد من أعظم شعراء العربيّة في القرن العشرين.
التعليقات