أعلنت واشنطن، الأسبوع الفائت، عن سحب مستشاريها العسكريّين من غرف تحالف العدوان على اليمن، بقيادة الرياض، وقد لا تكون فعلت ذلك على أرض الواقع، لكنّها أرادت لهذا الإنسحاب الإفتراضي أن يغدو خبراً مدوّياً في وسائط الميديا العالمية؛ وبالتوازي لذيوعه، خرج الناطق باسم البنتاغون ليدلي بتصريح حادّ النبرة، قال فيه إن دعم واشنطن للرياض في حرب اليمن "ليس شيكاً على بياض".
ما تريده الولايات المتّحدة في الراهن، هو إعادة التموضع على مسافة آمنة من تبعات المستنقع الذي دفعت بالرياض لتغرق فيه، بحيث يبدو قرار التدخّل العسكري تحت يافطة "إعادة الشرعية ومواجهة المدّ الصفوي" قراراً سعوديّاً عربيّاً محضاً، من أَلِفِ شروع ما يسمّى "التحالف العربي" في عدوانه على اليمن، إلى ياء الريوع الوخيمة والإخفاقات الفادحة الناجمة عنه بعد عام ونصف العام... تلك الريوع التي تحوز مملكة بني سعود على النصيب الأوفر منها، وترى واشنطن اليوم أن من الأسلم النأي عنها، مع الإستثمار غير المباشر فيها.
أجل، أرادت واشنطن القضاء على المتغيّر الثوري الذي أطاح بمنظومة وكلاء الرياض المحلّيّين في اليمن، بما هم وكلاء لها في المحصّلة، إلّا أن هدفها الجوهري أوّلاً وأخيراً كان ولا يزال إثارة مستوى من الفوضى والإحتراب والتشرذم في ديمغرافيا الجمهورية اليمنية، يسوِّغ لها حجز مساحة انتشار عسكري أمريكي مباشر وغير مباشر، قابلة للتوسعة في خراب المشهد اليمني، لا سيّما على البرّ المتاخم لسواحل العربي والأحمر من الخارطة، وقد نجحت حتّى اللحظة في قضم تخوم البحر العربي بالكامل، زائداً جزيرة سقطرى العائمة في المحيط الهندي على بعد 250 ميلاً من أقرب نقطة برّية يمنية لها في المهرة، أقصى جنوب شرق الجمهورية.
إن يافطة "إعادة الشرعية" باتت عنواناً حصريّاً لورطة تخصّ السعودية بمفردها، ولا علاقة لواشنطن بها وفقاً للمنطق الأمريكي، والأرجح أن الولايات المتّحدة هي من أوعزت للإمارات بفكّ الإرتباط مع هذه اليافطة، واستبدالها بـ"الحرب على الإرهاب"، مطلع العام الجاري، الأمر الذي أفقد ذريعة الشرعية ثقلها الديبلوماسي والسياسي، كيافطة رئيسة لتحالف غدا، من حينها، تحالفاً قوامه دولة واحدة هي السعودية.
إن الجنوب اليمني هو مسرح الكسب الأمريكي الممكن، لا كهدف لتوطين شرعية الشتات الفندقي فيه، ولا لتمكين الحراك المطالب بفكّ الإرتباط مع الشمال من دفّة حكمه كدولة مستقلّة، وإنّما كجغرافيا مفتوحة للقرصنة الأمريكية المتذرّعة بـ"الحرب على الإرهاب"، اليافطة التقليدية الأنجح في مضمار خلط الأوراق، وتفقيس الورقة الرابحة الوحيدة من قبعة الحاوي، المكتظّة بأوراق محلّية رهنها أصحابها لدى واشنطن وتوابعها، على أمل أن تفقس ذهباً بتوسيد الدجاجة قرباناً لسواطير "داعش".
كالحال في الجمهورية العربية السورية، أفسحت كلّ المسمّيات البرّاقة من "تنسيقيات الثورة" إلى "الجيش الحر" مكانها لـ"داعش"، ليفسح هذا البعبع، الذي نفخت الـ"سي آي إيه" فيه الروح وزوّدته بالمخالب، مكانه لواشنطن، فتجتاح تراب سوريا وسيادتها عسكريّاً بذريعة الحرب عليه، بعد أن أخفقت في استباحة هذا التراب بقرار وتحالف أممي على خلفية "كيماوي الغوطة الشرقية".
يحدث الأمر ذاته في اليمن، فما بدأ بوصفه "مقاومة شعبية" و"جيشاً وطنيّاً" شرع اليوم في الإنقشاع، مسفراً عن السواطير والرايات السوداء في الجغرافيا الواقعة تحت سيطرة التحالف، والمتمثلة في كامل الجنوب اليمني وأحياء الكثافة العمرانية وسط مدينة تعز جنوب صنعاء، وعمّا قريب ستعلن إمارات "داعش" وولاياته عن نفسها تباعاً، لتبدأ تالياً دور تسليم مضمر مع قوّات "الناتو" على وقع الإنتصارات الكرنفالية المفبركة.
لكن ماذا عن الرياض والشرعية؟!
بالنسبة لواشنطن، فإن قفّازات الشرعية المهترئة لم تعد غطاءً مثاليّاً لمواربة انفضاح الرياض المزدوج، والمتمثّل في انهيار جنوبها من جهة، وعجزها عن اجتياح صنعاء من جهة موازية، عوضاً عن تدهور وضعها القانوني المتفاقم، كنتيجة لمجازرها الفاضحة بحقّ المدنيّين، على نحو يصعب الإستمرار في التغاضي عنه، واحتواء ردود الأفعال الدولية عليه.
إن استدارة الرياض صوب البيت الخليجي، ولقاء الجبير ـ بوغدانوف في جدة، هو ملاذ الرياض الوحيد لتطبيع العلاقات مع اليمن المعتدى عليها، ومحور نشاطها حاليّاً في ظلّ الخذلان الأمريكي، والأرجح أن قواعد الإشتباك تشهد تحوّلاً نوعيّاً لجهة حضور روسي وازن في الملفّ اليمني، قد يؤخّر انزلاق المملكة الحثيث نحو التقسيم، لكنّه لن يحول دونه إلى الأبد، على رمال مسرح إقليمي متحرّكة بمثابرة!
التعليقات