يسرف تحالف العدوان السعودي الأمريكي في ارتكاب المجازر بحقّ اليمن، بشراً وتراباً ومرافق صحّية وخدمية وتعليمية ومنشآت ومعامل صناعية وتجارية وجسوراً وطرقات ومزارع وأسواقاً وتجمّعات عامة، غير عابئ بأضابير انتهاكاته المنتفخة التي توثّقها المنظّمات الحقوقية الدولية، لوجه الواجب الإنساني والحرفية، أو لحاجة في نفس يعقوب ستقضى لاحقاً.
عوضاً عن أن تستدير الرياض وتُخلص في البحث عن مخرج تكبح من خلاله وتيرة غرقها المتسارعة، تحثّ الخطى أكثر فأكثر صوب القعر، عبر اقتراف المزيد من المجازر، ظنّاً منها أنها بذلك تنقل حربها العدوانية إلى الطور الذي يرغم الأمريكيين على خوضها علناً وبكامل ثقلهم، جنباً إلى جنب معها، فتتعافى المملكة بالنتيجة من وطأة عبئها الخاصّ ومآزقها المركَّبة، الناجمة عن هذه الحرب.
سياسة الهرب جزافاً إلى الأمام التي تنتهجها المملكة السعودية تشبه تماماً هرب مدرّعاتها ودبّاباتها على أرض المعركة في حدّها الجنوبي. وفي المحصّلة، فإنه ما من أفق منظور للنجاة، عدا اصطدام المراكب الهاربة ببعضها البعض، ووقوعها فريسة سهلة ومنفردة لمخالب كواسر الجيش اليمني واللجان الشعبية.
قبيل الشروع في كتابة هذا المقال، وأثناءه، نفّذت طائرات العدوان مجزرتين على الأقلّ بحقّ مدنيين، فما تفسير هذا الهوس المفرط بالدم والإمعان في القتل؟!
ببساطة، تحاول الرياض أن تستدرج ردّة فعل صاروخية يمنية تطال بؤر الكثافة السكانية في مدن العمق السعودي، كأبها وجدّة وغيرهما، فيما تبقى المدينة المنوّرة واردة كهدف، ومن غير المستبعد أن تنوب الرياض عن الجيش اليمني واللجان، في ضرب مدنها الآنفة، كما فعلت منتصف الشهر الفائت، حين استهدفت حي الضبّاط بنجران، وأشاعت خبراً ينسب العملية القذرة للجانب اليمني.
تعتقد الرياض خطأً أن هذا كفيل بجعل العالم، والإسلامي تحديداً، يتشاطر معها ورطتها بوصفها بلداً معتدى عليه، لا بلداً معتدياً ومثخناً بجرائم حرب لا حصر لها. على هذا النحو، فقط، لا تمانع السعودية إزاء توصيفها كطرف، ما دامت ستضمن انخراط مزيد من الدول في الحرب إلى جوارها ضدّ اليمن باعتباره الطرف الآخر المعتدي، وفي كنف مباركة أممية تحت الفصل السابع!
الحقيقة أن مآلات كهذه قابلة للاستثمار في سياق تخليص السعودية من مآزقها الخاصّة وتعويمها دولياً. ليست فقط مآلات غير واردة بعد أكثر من عام ونصف العام من حربها العدوانية على اليمن، بل وتكرِّس حتمية الغرق السعودي فيما لو تحقّقت.
تقول المتغيّرات الموضوعية إن الدول التي انخرطت إلى جانب السعودية في العدوان العسكري في 26 مارس 2015، قد انفضّت من حولها منسحبة تباعاً، بينما تميل واشنطن، التي خاضت الرياض الحرب بالإنابة عنها، إلى الاستثمار في تداعيات الورطة السعودية، لا إلى العمل الجادّ على تخليصها منها.
وتقول المتغيّرات الموضوعية ذاتها إن قواعد الإشتباك الناجمة عن هيمنة الأحادية القطبية الأمريكية، تتغيّر اليوم لجهة دور روسي ـ صيني ـ إيراني وازن، وناجم عن ملاحم الصمود السوري اليمني اللبناني بوجه "بلدوزر" الشرق الأوسط الجديد الصهيوأمريكي، وفي خضمّ هذا التحوّل فإن صنعاء ودمشق وبيروت المقاومة هي عواصم لاعبة وصانعة ألعاب، لكنها ليست ملعباً.
معنى ذلك أن معادلة الردّ والردع العسكري تتغيّر، فتتغيّر السياسات الدولية تبعاً لها. وإذ يستدرج الإسراف السعودي الأمريكي في المجازر، ردّاً يمنياً عسكرياً وازناً، فإن هذا الردّ لن يكون كسابقاته من حيث الوسائط الصاروخية والعملياتية والأهداف المقصود بها، كما لن يكون خروجاً على أخلاقيات الحرب التي التزمها الجيش واللجان طيلة فترة الاشتباك المديدة الفائتة. فالعقل السياسي العسكري الذي يدير المواجهة على الجانب اليمني عقل فاعل وغير انفعالي، ولا يتّخذ قراراته جزافاً كالحال مع الرياض الماضية في سياسة ترقيع البالي بالأبلى، والهرولة صوب القعر تلافياً للغرق.
من المفيد للرياض، مرحلياً، أن تكفّ عن شراء الخبرات الاستشارية الأمريكية، فالقوّاد لا يدلّ المومس على درب النجاة من رذائلها، بل إلى مزالق الإنغماس فيها، وإلى حيث لا رجعة عنها ولا مثوبة!
التعليقات