ما إن تلوح في الأفق بوادر التئام طاولة الحوار، تمهيداً لاستئناف وإعادة دوران عجلة قطار المشاورات، بين الأطراف السياسية اليمنية، حتّى تشتعل مجدّداً جبهات العنف، وتعاود رحى المعارك دورانها بضراوة أشدّ من ذي قبل، في ما يشبه العلاقة التلازمية بين مسارَي الأزمة، المتجلّية قتالاً مسلّحاً في الجبهات، وجلسات حوارية في أروقة القصور والفنادق، وبينهما رحلات مكّوكية للمبعوث الأممي إلى اليمن، ونيران صديقة، ومحارق موت محوّطة بترسانة من علامات الإستفهام.
وبالتوازي مع تحرّكات إسماعيل ولد الشيخ، ومساعي التئام المشاورات المتعثّرة بين الكويت ومسقط والرياض، اشتعلت، مجدّداً، جبهات القتال، متّخذة هذه المرّة من صرواح في مأرب (شرق اليمن) واحدة من ساحاتها، قبيل امتدادها إلى جبهة مديرية الغيل في المحافظة المجاورة.
ولليوم الثالث على التوالي، تواصلت، حتّى صباح يوم الأربعاء، المعارك اشتعالاً في مديرية صرواح، في ظلّ تصميم قوّات الرئيس عبد ربه منصور هادي على تحقيق تقدّم، وصفته المصادر القبلية بالمحدود، تقابله استماتة مقاتلي "أنصار الله" والقوّات المتحالفة معها في الدفاع عن مواقعهم، التي وصفتها المصادر بالإستراتيجية، وفي مقدّمتها جبل كوفل، في وقت تتسابق فيه وسائل إعلام طرَفي المواجهات على إعلان انتصارات عسكرية (مفترضة)، يصعب التحقّق من صحّتها من مصادر مستقلّة.
وكانت قوّات الرئيس هادي أعلنت، الإثنين، "فرض سيطرتها التامّة على 4 تباب جبلية شمال جبهة صرواح، ودحر مقاتلي الحوثي وصالح، إثر معارك ضارية"، قدّرت مصادر محلّية قتلاها بالعشرات من الطرفين، بينهم ضابط إماراتي، كشفت السلطات الإماراتية عن هويّته في وقت لاحق.
تقدّم محدود؟
وبدأت قوّات الرئيس هادي، الإثنين، عملية عسكرية واسعة، سمّتها "نصر 2"، بهدف تحرير مديرية صرواح غربيّ محافظة مأرب. وانطلقت الحملة من 3 محاور، باتّجاه مناطق أتياس والربيعة ووادي الملح شرق صرواح. وحسب مصادر قبلية ومحلّية، تحدّثت إلى "العربي"، فقد استمرّت العملية في يومها الأوّل منذ الفجر وحتّى ما بعد المغرب، مصحوبة بإسناد جوّي كثيف لطيران "التحالف العربي"، رصدت المصادر منه أكثر من 15 غارة.
وقالت مصادر قبلية موالية للرئيس هادي إن العملية العسكرية "حرّرت عدّة مواقع قريبة من مركز المديرية، وحقّقت تقدّماً ميدانيّاً بنحو 10 كم".
ويوم الثلاثاء، أدلى رئيس دائرة التوجيه المعنوي للقوّات الموالية لهادي، اللواء محسن خصروف، بتصريح رأى فيه أنّه "جاء الوقت لأن تحسم المعركة عسكريّاً، بعدما أفشل الإنقلابيّون الحلول السياسية". ونقل المركز الإعلامي لقوّات هادي عن خصروف قوله إن "الجيش الحكومي حقّق انتصارات كبيرة في مديرية صرواح".
في المقابل، ذكر القيادي في "اللجان الشعبية"، التابعة لـ"أنصار الله"، أبو طه، أن قوّاتهم "أفشلت زحفاً لقوّات هادي من 3 محاور، الأوّل من اتّجاه جنوب كوفل باتّجاه أتياس، وزحفاً آخر جاء من شمال شرق كوفل باتّجاه المصنع، فيما الزحف الثالث من غرب معسكر كوفل باتّجاه حزم الحقيل"، مشيراً، في حديث إلى "العربي"، إلى "مقتل العشرات في صفوف قوّات هادي، وتدمير آليّات عسكرية لهم".
جبهة الغيل
وفي جبهة الغيل بمحافظة الجوف، وحتّى الثلاثاء، أكّدت مصادر قبلية ومحلّية موالية للرئيس هادي، في حديث إلى "العربي"، "تمكّن قوّات هادي من الإستيلاء على معسكر السلان، الواقع ما بين مديريّتي الغيل والمصلوب"، وهي الجبهة المشتعلة منذ أكثر من شهر، والتي حاولت قوّات هادي تحقيق تقدّم فيها عدّة مرّات سابقة. غير أن القيادي في "أنصار الله"، أبو طه، أفاد، "العربي"، بأنّهم "صدّوا محاولة زحف لقوّات هادي باتّجاه الأطراف الشمالية الشرقية لمديرية الغيل"، لافتاً إلى "تكبيد قوّات هادي خسائر فادحة في الأرواح والمعدّات".
وفي تطوّر ميداني جديد، قالت مصادر قبلية موالية للرئيس هادي إن قوّات الأخير "تمكّنت، الأربعاء، من تحرير موقع نوبة الهندي ومنطقة الباحث، كمواقع عسكرية مفترضة لمقاتلي أنصار الله وحلفائهم"، حسب المصادر.
محارق موت مشوبة بالغموض
في الأثناء، ذكرت مصادر محلّية، لـ"العربي"، أن غارة لمقاتلات "التحالف العربي" استهدفت "تجمّعاً لحلفاء هادي، يُعتقد أنّهم كانوا يجهّزون للمشاركة في الزحف على مديرية الغيل، صباح الأربعاء"، فيما قال أبو طه، القيادي في جماعة "أنصار الله"، إن "طيران التحالف قصف بأربع غارات متتالية، الأربعاء، منازل مواطنين في منطقتي الباحث والمحجر، شمال غرب مديرية الغيل بمحافظة الجوف"، ولم يتسنّ معرفة نتائج القصف، وطبيعة الأهداف من مصدر آخر.
وقُتل، الثلاثاء، 5 مجنّدين، وأصيب العشرات، من فصيل مستحدث لقوّات الرئيس هادي، حينما انفجرت بهم عبوة ناسفة، في معسكر للشرطة العسكرية بمدينة مأرب. وقال شيخ قبلي، طلب التحفّظ على هويّته، لـ"العربي"، اليوم الأربعاء، إن "الحادث يشوبه الغموض"، موضحاً أنّه "وقع قبيل وصول لجنة، بمشاركة ضبّاط من قوّات التحالف، لصرف مستحقّات مالية لمجنّدين في صفوف الشرعية".
مطار صرواح
وفي ظلّ استمرار المواجهات، يرى الخبير العسكري، العميد المتقاعد، عبد الله الفقيه، في تصريح لـ"العربي"، أن "من السابق لأوانه الحديث عن سيطرة مطلقة لأيّ من طرفي المواجهات"، واصفاً المعارك، خلال الساعات الأخيرة، بـ"عمليّات كرّ وفرّ، واقتناص فرص". وبشأن أهمّية مطار صرواح، اكتفى الخبير العسكري بالإشارة إلى أنّ المطار "عبارة عن مطار ترابي، كانت تستخدمه شركة هنت النفطية لهبوط الطائرات المروحية"، في حين تعتبر مصادر قبلية موالية للرئيس هادي أن سقوط صرواح يعني "سقوط جبل هيلان والمشجح، وبالتالي تطهير المديرية من مقاتلي أنصار الله، وتأمين ظهر جبهة نهم المتعثّرة".
وكتب الناشط في الحراك الجنوبي، جمال بن عطّاف، في موقع "تويتر"، معلّقاً على أنباء "الإنتصارات"، "أنباء تتحدّث عن تحرير صرواح مأرب، ولأنّي قد خُدِعتُ مراراً بتحريرها ثم يتّضح الأمر غير ذلك، فإنّه يصعب علينا تأكيد الإنتصارات"، فيما وصف القيادي في حزب "المؤتمر"، حسين حازب، سير المعارك على نحو مختلف، قائلاً "يا أسفاه، معارك في الجوف ومأرب يتمّ الزج فيها بعيال خلق الله لمحارق الموت، من أجل إخلاء العهدة في مبلغ مالي وعدد من المركبات والسلاح".
التعليقات