يندفع عبد الله محمّد (30 عاماً)، بقوّة، صوب بوّابة المركز الوطني لمختبرات الصحّة المركزية، في العاصمة صنعاء، حيث مقرّ "بنك الدم"، صارخاً بوجه حرّاس المركز "يا أخي أحتاج قربة دم، أين البنك التابع لكم؟ أنا مستعدّ أحضر بدلها 10 متبرّعين، بس أنقذوني الآن". يقول المساعد بحراسة بنك الدّم، صالح النّقيب، لـ"العربي"، وقد سمح لعبد الله بالدّخول، "هكذا يومياً نستقبل ما بين 400 إلى 500 حالة، من مختلف مستشفيات محافظات الجمهورية، إمّا لإجراء الفحوصات الطبّية اللازمة، أو للحصول على احتياجاتهم من قرب الدم"، ما زلنا عند بوّابة أقدم مركز لمختبرات الدم، والذي تمّ إنشاؤه في سبعينيات القرن الماضي، ويشمل حالياً قسم المختبرات وقسم بنك الدم. ووفق ضابط حراسة المركز، المقدّم حسين الشرفي، يصنّف هذا المركز المختبر المركزي للجمهورية، وتكمن أهمّيته في تقديمه الفحوصات المخبرية للمصابين بالإيدز، ومرضى الفشل الكلوي، والسرطان، وزارعي الكلى، بأسعار رمزية، بالإضافة إلى تقديم الدم لهذه الحالات مجّاناً.
حالياً يمرّ المركز بما يبدو أنّها أزمة مالية حادّة، وفق مصادر رسمية في وزارة الصحّة العامّة والسكّان، طالبت، في حديث لـ"العربي"، الجهات المعنية في الحكومة بتوفير الموازنة التشغيلية اللازمة للمركز الوطني لنقل الدم، معبّرة عن مخاوفها من احتمال توقّف خدمات المركز، وبالتالي تعريض حياة المرضى ومحتاجي الدم للخطر.
ليس فقط شحّ النفقات التشغيلية وانعدام المحاليل الطبّية ما يعصف بالمركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه، ويهدّد بإفلاسه، ففي حديث لـ"العربي"، يشير المقدّم حسين الشرفي، المسؤول في أمن بوّابة المركز، إلى وجود خلافات بين مدير المركز ونائبه، ويرى الشرفي، أنّ هذه الخلافات ساهمت في تفاقم الوضع الإداري والمالي للمركز، وزيادة منسوب حالة التدهور، والقلق في أوساط الموظّفين، البالغ عددهم ما بين 250 و300 موظّف. "الصراحة نحتاج قفل مركزي لإغلاق المركز"، يتدخّل زميله في حراسة أمن البوّابة، المساعد صالح النقيب، متحدّثاً لـ"العربي" عن احتياجات المركز في هذه المرحلة، ويختصرها في حاجتهم لـ"قفل مركزي"، ويعني بذلك كبير الحجم، وذلك لإغلاق المركز "نظراً لعدم وجود المحاليل، وعدم القدرة على تلبية احتياجات المرضى".
الإيرادات اليومية... من مليون إلى 100 ألف ريال
وإلى قسم الإيرادات، يصطحبنا المساعد صالح النقيب، حيث الموظّف، عبد الكريم هائل، يشير إلى تراجع حجم إيرادات المركز من نحو مليون ريال يومياً، قبل بضع سنوات، إلى 100-150 ألف ريال يومياً، خلال هذه الأيام، موضحاً هنا أنّ أسعار المركز للفحوصات المخبرية هي أسعار رمزية، ولا تعادل ربع القيمة خارج المركز.
توقّف بنوك الدم في مستشفيات أخرى وفي محافظات مجاورة للعاصمة، وحالة الطوارئ بسبب الحروب والصراعات السياسية، رفَع من نسبة الطلب على الدم في هذا المركز. ولذلك، يقول موظّفون هنا أنّهم يعملون بأعلى من طاقة المركز الإعتيادية، وعلى مدار 24 ساعة. ويقول الدكتور محمد عبد الواحد (يعمل في بنك الدم) أنّ هذا المركز "مؤسّسة خدمية، يقدّم خدمات نقل الدم للجرحى والمصابين وكذلك الأمراض المزمنة، مثل السرطان والفشل الكلوي وأمراض الدم الوراثي، مجّاناً دون أي مقابل".
صرف 30 % من مخزون الدم يومياً
وفي غرفة استقبال المتبرّعين بالدم، تفيد الموظّفة المختصّة، عفراء الأديمي، لـ"العربي"، أنّهم يستقبلون يومياً من 25 إلى 45 مواطناً يتقدّمون للتبرّع بالدم، وتلاحظ عفراء ازدياداً في إقبال المواطنين على التبرّع بالدم منذ تفاقم الأزمة السياسية في البلاد، وتصاعد أعمال العنف والحروب الداخلية والخارجية. حديث الموظّفة عفراء، يتطابق مع ما يقوله الدكتور محمد الظبري، رئيس قسم بنك الدّم، الذي لفت إلى أن المتطوّعين للتبرّع بالدم لعبوا دوراً كبيراً في توفير الدم للمركز، خلال الأزمة والحروب، وذلك دونما طلب من أيّ مواطن، فقد كان الإقبال طواعياً. ويشير رئيس قسم بنك الدم، في حديث لـ"العربي"، إلى أن ما نسبته من 90 إلى 95 % من إجمالي المتقدّمين للتبرّع بالدم سليمون، وأضاف "يتمّ خزن قرب الدم في ثلّاجات خاصّة بحفظ الدم، وصرف المخزون المتوفّر أوّلاً بأوّل"، منوّهاً إلى احتياجهم أحياناً لقرب (فارغة) من مستشفيات أخرى. ويؤكّد الظبري عدم توقّف تقديم الدم في المركز، ذلك أن توفير الدم للمرضى والجرحى هو بالأساس عمل إنساني، حسب الظبري، وقال "توقّف العمل في القسم لمدّة 20 يوماً، بسبب انعدام بعض المحاليل، وتم التعامل مع الحالات المرضية بإجراء الفحوصات خارج المركز".
وفي ردّه على سؤال "العربي" بشأن كمّية الدم التي يتمّ صرفها يومياً للمرضى والمحتاجين، يقدّر رئيس قسم بنك الدّم حجم المنصرف بنسبة 25 إلى 30%، من حجم المخزون المتوفّر، موزّعاً هذه الكمّية المنصرفة مناصفة، 50% على المستشفيات الحكومية والخاصّة.
وفي ظلّ أزمة انعدام المشتقّات النفطية التي عاشتها البلاد وتعيشها من حين لآخر، وأثرها على مخازن البنك، يقول الظبري أنّهم اتّخذوا في ذروة الأزمة "إجراءات تقشّفية" وجدولة زمنية لتشغيل مولّدات الكهرباء الخاصّة بالمركز، وبما يضمن حفظ المخزون المتوفّر من قرب الدم، لكنّ ذلك لا يعني عدم احتياجهم إلى المنظّمات الدولية والإنسانية العاملة في اليمن، لدعم المركز بالإحتياجات الضرورية وبصورة استثنائية، نظراً إلى حساسية المرحلة، وبما يضمن استمرار تقديم خدماته، وفي مقدّمتها خدمة إنقاذ حياة آلاف المرضى والجرحى من موت محقّق.
التعليقات