لا مملكة بني سعود، ولا تركيا الإخوانية الناتوية، ولا العدوّ الإسرائيلي، يمتلك القدرة اليوم على إدارة عقارب الساعة إلى الوراء، ليستعيد حالة الإستتباب الحدودية، التي كانت سائدة على تماساته مع اليمن وسوريا. فقواعد الإشتباك المنتجة لهذا الإستتباب، طيلة العقود الفائتة، جرى نسفها على أيدي أنظمة هذا الثالوث الإقليمي الوكيل، إلى غير رجعة.
لكن ما المصلحة التي تجعل دولة أو كياناً ما يقدم على زعزعة استقراره الحدودي بيده؟! إجابة هذا السؤال تكمن في عبارة قديمة أطلقها الزعيم الراحل، جمال عبد الناصر، في ستينيّات القرن الفائت: "إنّها حرب وجود لا حرب حدود".
هكذا، فإن مصلحة تركيا الأردوغانية والكيان الصهيوني كانت ـ وفقاً لجدلية الصراع ـ تتلخّص في زوال وجود الدولة العربية السورية المستقلّة، بقيادة الزعيم، بشّار الأسد، لا في استتباب حدودهما معها، والتزامها بالإتّفاقيات الثنائية المباشرة والأممية غير المباشرة المبرمة على هذا المستوى، كاتّفاقية فضّ الإشتباك العسكري، وإقامة منطقة منزوعة السلاح، تتولّى قوّات أممية (الأندوف) الإشراف عليها ميدانيّاً في حدود سوريا 1973م مع الكيان الصهيوني، أو كاتّفاقية أضنة، التي وقّعها الزعيم الراحل، حافظ الأسد، مع أنقرة، في النصف الثاني من تسعينيّات القرن الفائت.
وكذلك الحال بالنسبة لبني سعود، الذين قدّروا أن مصلحتهم هي في تقويض الوجود اليمني الوطني، المنبثق من رحم ثورة 21 أيلول 2014م، لا في التزام قيادة الثورة بالإتّفاقيات الحدودية المبرمة بين الكيان السعودي واليمن، من اتّفاقية الطائف في 1934م إلى اتّفاقية جدّة في 1999م.
إن فشل ثالوث الوكالة للإمبريالية الأمريكية في تصفية الوجودين اليمني والسوري، لصالح كانتونات طائفية ـ عرقية واهنة ومدجّنة، يعكس نفسه اليوم في صورة ارتدادات باهظة لا تهدّد ـ بطبيعة الحال ـ حدود كيانات هذا الثالوث، كما قد توهم واجهة الصراع الدائر حاليّاً، وإنّما تهدّد وجود هذه الكيانات في جوهر بناها الوظيفية. فانتصار سوريا الممانعة ويمن الثورة يعني انتصار محور ومشروع في مقابل انحسار محور ومشروع آخر، وبزوغ حقبة من الصراع لها قواعد اشتباكها، التي تمليها متغيّرات واقع الصمود والمجابهة، كما وأفول حقبة بقواعد اشتباكها الأمريكية المحضة، من حيث محدّداتها ومضامينها وأبعادها.
لقد نجحت تركيا، بمستوى ما، في التخفيف من حدّة ارتدادات فشلها في تقويض الوجود السوري، عبر الإحتماء بالكنف الروسي، إلّا أن هذا التكتيك الذي ألجأ معقل "الناتو" الأبرز إلى الفرار شرقاً باتّجاه موسكو هو تحوّل استراتيجي من حيث دلالاته، بالقياس لواقع ما قبل 2011م، فيما لن يكون بوسع الكيان الصهيوني اللجوء إلى ذات الوجهة طلباً للسلامة، إذ سيجد نفسه إزاء تشكيلات المقاومة العربية والإسلامية برّاً، فيما لو فكّر باجتياح أراضي التماس السورية، وإزاء دفاعات الجمهورية العربية السورية المقتدرة، فيما لو سلك سبيل القرصنة جوّاً، وفي كلّ الأحوال فإنّه لن يجد موسكو على هذا التماس الجنوبي، وإنّما عدوّه اللدود إيران.
في مواجهة المأزق الوجودي الحدودي ذاته، تتسوّل رياض بني سعود وساطة روسية في الظلّ تجنّبها حرج الإقرار بورطتها الوخيمة علناً، وتكفل كبح جماح الإنهيار المتسارع في جنوبها مؤقّتاً، حتّى يتسنّى لها ترتيب بيتها الملكي العامر بالفوضى، والمشحون بالخلافات والمؤامرات. ونجاحها في تحقيق ذلك، عبر الوساطة الروسية، مرهون بمستوى قابليّتها البنيوية للإنسحاب كلّيّاً من منصّة وكواليس العدوان على اليمن، كحدّ أدنى، وتشريع بوّابات المملكة لحضور روسي صيني اقتصادي نوعي، يناكب الحضور الأمريكي ولا يقضم حصّته خلسة من الباطن.
إن الحدود الملتهبة اليوم على تماسات هذا الثالوث تمثّل عتبات تحوّل استراتيجي قادم في بنية الكيانات الوظيفية الوكيلة للغرب الإمبريالي، الذي حاول تقويض وإعادة إنتاج الوجود الأصيل لشعوب المنطقة لتلافي هذا التحوّل، وكنتيجة لفشله، فإنّه يجد نفسه اليوم بحاجة للإقرار بمتغيّراته على مضض.
التعليقات