حين أفضت أحداث فبراير 2011 إلى تثبيت سلطة العمالة والإقطاع، أمْطَرَنَا الغرب الإمبريالي بالجوائز العالمية، من "المانيرفا" إلى "نوبل"، وأسبغ علينا ألقاباً ثورية لا حصر لها.
وحين أطاحت ثورة 21 أيلول (سبتمبر) 2014 بسلطة العمالة والإقطاع وحرّرت اليمن من أكبال الوصاية والإرتهان لقوى الهيمنة والإستكبار، أباح الغرب الإمبريالي دمنا وأمْطَرَنَا، ولا يزال يمطرنا، بصنوف تقانة القتل من العنقودية إلى "النابالم"، ومن "البرادلي" إلى البارجة، إلى الـ"إف 16"، وتواطأ العالم، كلّ العالم، علينا، بوصفنا شعباً من "الانقلابيين".
شكراً لردّة الفعل العالمية الخسيسة والجبانة إزاء ثورتنا المجيدة، وإزاء 21 أيلول، ميلادنا الزاهي وانبعاثنا الأكثر عنفواناً ونقاءً وطنياً، لأن ردّة الفعل هذه تبرهن على أننا كنا الفعل، وكانت ضراوة العدوان الكوني علينا صدى لمدى ما أوغلت نصال الثورة في صدور قوى الهيمنة والإستكبار، ومقدار ما ألحقته بها من خسران وألم.
شكراً للعالم الوغد المنافق، لأنه أتاح لنا اختبار جدوى الإتّكاء على الذات المتحرّرة من نير الأكبال والأفضال، وذل التعويل وضآلة الاستقواء بالهبات العصرية المستعارة، واستمطار رحمات آلهة حقوق الإنسان الزائفة، ونجدة أنبيائها الكذوبين.
وحيدين وقفنا ووحيدين نقف موقنين أن القوة ليست عتاداً أو نِصَاباً عددياً، وإنما تسليم مطلق بقوّة الله المطلقة، ووثوق بعدالة القضية وسطوع المظلومية، وصدق وعد الله بنصرة المستضعفين الذين خلعوا كلّ جبروت وتسربلوا جبروته، مجاهدين في سبيله كلّ طغيان وجبروت يستهدف تركيع الأوطان والشعوب واحتلالها وعياً وروحاً وقراراً وتراباً.
ككلّ الثورات الحقَّة، من "طهران الخميني" إلى "هافانا كاسترو"، جوبهت ثورتنا بعدوان كوني من جُلِّ العالم، انخراطاً أو تواطؤاً. ولو تلقَّاها العالم بالترحاب، وقلَّدَها أوسمة وأنواط الجدارة والاستحقاق، لما كانت ثورة للانعتاق، بل تحويراً طفيفاً في لون ربقة العبودية والرقّ. فالعالم، إلا ندرة نادرة منه، ليس اليوم إلا قطيع رقيق، تتفاوت حلقات النخاسة حول أعناق أفراده ضيقاً واتّساعاً في سلسلة الأحادية القطبية التي يطبق النخاس الأمريكي الأكبر قبضته عليها، ويسحل بها العالم خلفه كدحاً وانتحاراً واحتراباً، في سبيل إله يسمّونه السوق.
وها نحن اليوم في الذكرى الثانية لانبعاث ثورة 21 أيلول (سبتمبر) المجيدة، مستمرّون في خوض الملحمة، غير هيابين ولا متردّدين، برغم الكلفة الباهظة التي ندفعها من لحمنا ودمنا وخبزنا وحليب أطفالنا وكراريس تلاميذنا.
ها نحن اليوم نشنق، للمرّة الألف، وَهْمَ الأمم المتّحدة بضفيرة طفلة هي كلّ ما أمكن العثور عليه تحت أنقاض منزل طيني بصعدة، نسفته بلدوزرات الجوّ.
ها هو جثمان بان كي مون يتدلّى مشنوقاً من شريط حرير كان يزيّن عنق الشهيدة سناء البدوي، صبيحة اليوم الأوّل لاختبارات الثانوية العامّة، العام الفائت، قبل أن تعترض "دراكيولات الإف 16" طريقها، وتنشب مخالب الغل الوهّابي في العنق البض.
ها هو إله المال الإمبريالي يتدلّى مشنوقاً من ربطة بلاستيكية على رزمة أوراق نقدية محلّية تالفة في البنك المركزي اليمني.
وإذ نحصي خسائرنا اليوم بعد عامين من الثورة، وقرابة العامين من مجابهة العدوان السعودي الأمريكي، ندرك أننا خسرنا الكثير من الأغلال وربحنا رقابنا. خسرنا رطوبة الزنزانة، وربحنا هواء الحرّية الطلق. خسرنا عوينات خبراء الإقتصاد المعولم، وربحنا مآقينا وأهدابنا. خسرنا مقصّات الأظافر، وربحنا أظفارنا. إنه 21 أيلول... حسابنا غير الختامي مع العالم المنافق.
التعليقات