مثلما كان متوقّعاً، لن تمرّ احتفالات شهر سبتمبر في اليمن دونما إثارة ما يبدو أنّها خلافات مؤجّلة بين نشطاء قطبَي صنعاء، "المؤتمر الشعبي العام" و"أنصار الله". على سطح المشهد السياسي، تطفو ملامح انقسام حول ماهية وتوصيف حدث 21 سبتمبر 2014م، وتأثير الإحتفال الرسمي به على ذكرى 26 سبتمبر 1962م. هو جدل قابل للتصعيد، وإن بقي محيطه تحت السيطرة، تشارك فيه قيادات سياسية رفيعة من الطرفين المنضويين تحت "المجلس السياسي الأعلى"، منذرة باحتقان صامت قابل للإنفجار.
بدأت ملامح الإنقسام السبتمبري يوم الإثنين الماضي (19 سبتمبر الجاري)، بإعلان وزارة الخدمة المدنية والتأمينات أن يوم الأربعاء "إجازة رسمية لجميع موظّفي وحدات الجهاز الإداري للدولة والقطاعين العام والمختلط، بمناسبة ذكرى ثورة 21 سبتمبر"، الأمر الذي أثار حفيظة رفقاء السلاح في مواجهة "التحالف العربي". واعتبر عضو اللجنة الدائمة في "المؤتمر الشعبي العام"، محمّد أنعم، إعلان وزارة الخدمة المدنية "انقلاباً على المجلس السياسي، الذي جاء تشكيله كضرورة وطنية لإعادة الإعتبار للدستور والقوانين النافذة، وعودة عمل المؤسّسات الدستورية". واتّهم أنعم وزارة الخدمة المدنية بـ"تجاوز صلاحيّات المجلس السياسي، وتلقّي توجياتها من اللجان الإشرافية، المحسوبة على جماعة أنصار الله"، معتبراً ذلك التصرّف "تشجيعاً للفوضى وشقّاً للصّف الوطني".
التراشق "فيسبوكيّاً"
وعلى صدر صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، لم تكتف قيادات في حزب "المؤتمر الشعبي العام" بتحديث صور صفحاتها بشعار 26 سبتمبر1962م، فهذا الأمين العام المساعد للحزب، عضو وفد صنعاء إلى مشاورات الكويت، ياسر العواضي، يرى في تغريدة له على "تويتر"، أن "26 سبتمبر هو ثورتنا المجيدة، لا تساويها إلاّ ثورة 14 أكتوبر"، مضيفاً أنّه "ليس لنا في سبتمبر غير يوم 26، ثورة التحرير من الطبقية والمذهبية وجعل الشعب سواسية، هذه ثورتنا وعيدنا"، وهو ما اعتبره نشطاء "أنصار الله" غمزاً موجّهاً ضدّ 21 سبتمبر 2014م، و"تحاملاً واضحاً عليها، وكلاماً ما كان له داعي".
ومن منصّة الناطق باسم "أنصار الله"، وزميل العواضي في وفد صنعاء، محمد عبد السلام، جاء الرد، مدافعاً وجازماً بأن "21 سبتمبر ثورة شعبية يمنية سلمية جامعة لكلّ معاني الوطنية، ويكفيها أنّها أعجزت الخارج أن يحرف مسارها، أو يستثمرها لمطامعه ومصالحه"، وتابع عبد السلام أن "الذكرى الثانية لثورة 21 سبتمبر مشروع استقلال وطني، يستكمل نضالات اليمنيّين في سبيل الحرّية والعدالة والسيادة دون أيّ وصاية".
"تجديف وإرجاف"
يرى المحلّل والناشط السياسي، عبد الوهّاب الشرفي، في حديث إلى "العربي"، أن "ثورة الـ21 من سبتمبر 2014م هي ثورة إصلاح لم تنجح"، مشيراً إلى عدم إمكانية المقارنة "بين ثورة 26 وثورة 21 من سبتمبر لاختلاف الهدف". يوضح الشرفي ذلك بأن "ثورة الـ26 من سبتمبر هي ثورة إرساء نظام جديد في اليمن، وثورة 21 من سبتمبر كانت محاولة للإصلاحات في ظلّ النظام الذي أرسته ثورة الـ 26 من سبتمبر 1962م"، بمعنى أن "ثورة 26 كانت في إطار النظام برمّته، بينما الـ21 كانت في إطار السلطة فقط".
وفي ردّ على سؤال حول الإحتفال الرسمي بالمناسبتين، يجيب الشرفي بأن "ثورة 26 سبتمبر تظلّ هي المحطّة الثورية الجامعة لكلّ اليمنيّين والملهمة لهم جميعاً"، وبالتالي فـ"الإحتفال الرسمي بها هو الواجب"، إلّا أنّه يدعو إلى أن "تُختصر الإحتفالات، وتبقى رمزية، وذلك مراعاة لما يمرّ به الوطن من عدوان، يسّبب معاناة لشريحة واسعة من اليمنيّين هم الأولى بتسخير أيّ موارد لإغاثتهم ومساعدتهم".
القيادي "الناصري"، عضو وفد "أنصار الله" إلى مشاورات الكويت، السياسي حميد عاصم، يفضّل، من جهته، عدم الدخول في جدل الثورات، معتبراً، في حديث إلى "العربي"، أنّه "ما من ثورة تندلع إلّا ولها أسبابها وحيثيّاتها، ولها محبّون ومبغضون".
ويعتقد القيادي في "أنصار الله"، عبد الملك العجري، بدوره، أنّ "ثورة فبرابر أعيقت عن أن تكون ثورة شعبية، وفشلت المبادرة الخليجية في تجاوز السلطة والمعارضة ورؤية الميدان الأوسع للصراع بكلّ قواه الإجتماعية، ولم ينجح مؤتمر الحوار الوطني في إنجاز الإصلاح المتوقّع وإعادة الإستقرار للبلاد وإنهاء العنف، فانفجر المزاج الثوري في 21 سبتمبر"، في حين يلفت القيادي في حزب "المؤتمر"، أحمد الحبيشي، إلى أنّه كثر "التجديف الطفولي حول انتفاضة 21 سبتمبر 2014 الثورية الشعبية"، التي، بحسب الحبيشي، "وصفتها قناة (المسيرة) في ذلك اليوم بأنّها حدث تاريخي، بينما وصفتها القناة المؤتمرية الوحيدة التي كانت تبثّ برامجها في ذلك اليوم بأنّها (ثورة دكّت مراكز وقلاع النفوذ والفساد)"، ولذلك، يعتقد الحبيشي أن "زيادة الإرجاف حول ماحدث في ذلك اليوم العظيم إنّما يعتبر بحثاً عن معركة خاسرة بين قوى المقاومة والصمود، ممثّلة بالمؤتمر الشعبي العام وحلفائه وأنصار الله وحلفائهم، لن يستفيد منها سوى العدو السعودي وحلفائه".
ثورة أم "نكبة"؟
نزولاً إلى ما دون القيادات العليا، يحتدم الجدل بشكل أكثر حدّة، ويتشعّب في أكثر من اتّجاه. يصف الناشط، الحارث الفيشاني، يوم 21 سبتمبر بأنّه "يوم وطني فعلاً"، مشدّداً على وجوب "الإحتفال به جميعاً مؤتمريّين وأنصار الله"، كونه "يجسّد حدثاً تاريخيّاً هامّاً ومفصليّاً شاركت فيه أغلب المكوّنات الوطنية، وليس أنصارالله فحسب، والمؤتمريّون كانوا في مقدّمة الصفوف". يخالفه في ذلك صديقه وسام، الذي يرى أن "الإحتفال الحقيقي هو بيوم 26 سبتمبر، أمّا بالنسبة للإحتفالات الحاصلة بيوم 11 فبراير، أو 21 سبتمبر، فهي أيّام نكبات"، في حين يعتبر الناشط، علي الخميسي، أنّه "عندما تتحرّر اليمن من الوصاية الخارجية ككلّ، وتنتصر على أعدائها، عندها فقط سنحتفل ونقول بأن 21 سبتمبر كانت بالفعل امتداداً لثورة السادس والعشرين من سبتمبر ولأهدافها".
التعليقات